الشيخ محمد رشيد رضا
21
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وصاروا يعدون زينة اللّه التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق خاصة بالكافرين ، حتى كأن المشارك لهم فيها خارج عن هدي المؤمنين ، وهاك ما ورد في هذه الآية من التفسير المأثور ، وسيأتي في سورة الأعراف « 1 » وغيرها ما يزيدك نورا على نور : أخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عدي في الكامل والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس ان رجلا أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه اني إذا أكلت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي ، وإني حرمت عليّ اللحم . فنزلت ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ) وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ) قال : نزلت هذه الآية في رهط من الصحابة قالوا : نقطع مذاكيرنا ونترك شهوات الدنيا ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان . فبلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك فقالوا نعم ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأنام ، وأنكح النساء ، فمن أخذ بسنتي فهو مني ، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني » وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في مراسيله وابن جرير عن أبي مالك في قوله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ) قال نزلت في عثمان بن مظعون وأصحابه كانوا حرموا على أنفسهم كثيرا من الشهوات والنساء وهمّ بعضهم أن يقطع ذكره فنزلت هذه الآية وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة ان ناسا من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن عمله في السر « 2 » فقال بعضهم لا آكل
--> ( 1 ) أي عند تفسير قوله ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ؟ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ) ( 2 ) أي عن عبادته إذ لم يكتفوا بما كان يعمله على أعينهم من أداء الفرائض والسنن الرواتب ، واعتقدوا ان الكمال ان يزيدوا على ذلك ، وأنه لا بد أن يكون للرسول زيادات يخفيها عنهم رحمة بهم وتخفيفا عليهم . ومن ذلك نوم ابن عباس عند خالته ميمونة زوج النبي ( ص ) ليرى صلاته في الليل