الشيخ محمد رشيد رضا
217
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حوّلا متجرهما إلى المدينة فخرج بديل بن أبي مارية مولى عمرو بن العاصي تاجرا حتى قدم المدينة فخرجوا جميعا تجارا إلى الشام حتى إذا كانوا ببعض الطريق اشتكى بديل فكتب وصيته بيده ثم دسها في متاعه وأوصى اليهما فلما مات فتحا متاعه فاخذا منه شيأ ثم حجراه كما كان وقدما المدينة على أهله فدفعا متاعه ، ففتح أهله متاعه فوجدوا كتابه وعهده وما خرج به ، وفقدوا شيأ فسألوهما عنه فقالوا هذا الذي قبضنا له ودفع الينا ، فقالوا لهما هذا كتابه بيده ، قالوا ما كتمنا له شيئا ، فترافعوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت هذه الآية ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ - إلى قوله - إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ ) فامر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يستحلفوهما في دبر صلاة العصر باللّه الذي لا إله إلا هو ما قبضنا له غير هذا ولا كتمنا ، فمكثا ما شاء اللّه أن يمكثا ، ثم ظهر معهما على اناء من فضة منقوش مموه بذهب ، فقال أهله هذا من متاعه ، قالا نعم ولكنا اشتريناه منه ونسينا ان نذكره حين حلفنا فكرهنا ان نكذب نفوسنا ، فترافعوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فنزلت الآية الأخرى ( فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً ) فامر النبي صلّى اللّه عليه وسلم رجلين من أهل الميت ان يحلفا على ما كتما وغيبا ويستحقانه ، ثم إن تميما الداري أسلم وبايع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان يقول صدق اللّه ورسوله أنا أخذت الاناء ، ثم قال يا رسول اللّه ان اللّه يظهرك على أهل الأرض كلها فهب لي قريتين من بيت لحم وهي القرية التي ولد فيها عيسى فكتب له بها كتابا ، فلما قدم عمر الشام أتاه تميم بكتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال عمر أنا حاضر ذلك فدفعها اليه وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ( شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ) مضاف برفع شهادة بغير نون وبخفض بينكم وأخرج ابن جزير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس من طريق علي عن أبي طلحة عن ابن عباس ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) هذا لمن مات وعنده المسلمون أمره اللّه أن يشهد على وصيته عدلين من المسلمين ثم قال ( أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي « تفسير القرآن الحكيم » « 28 » « الجزء السابع »