الشيخ محمد رشيد رضا

208

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فوجود المنكرين لذلك منذ ذلك الوقت إلى هذه الغاية معلوم لكل من يعرف أقوال أهل العلم ، وقد عرفت مما نقلناه سابقا أن المنع قول الجمهور إذا لم يكن اجماعا . وان أراد اجماع المقلدين للأئمة الأربعة خاصة فقد عرفت مما قدمنا في مقصد الاجماع أنه لا اعتبار بأقوال المقلدين في شيء فضلا عن أن ينعقد بهم اجماع والحاصل انه لم يأت من جوز التقليد فضلا عمن أوجبه بحجة ينبغي الاشتغال بجوابها قط ، ولم نؤمر برد شرائع اللّه سبحانه إلى آراء الرجال . بل أمرنا بما قاله سبحانه ( فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) أي كتاب اللّه وسنة رسوله . وقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم يأمر من يرسله من أصحابه بالحكم بكتاب اللّه ، فإن لم يجد فبسنة رسول اللّه فإن لم يجد فبما يظهر له من الرأي كما في حديث معاذ « 1 » وأما ما ذكروه من استبعاد أن يفهم المقصرون نصوص الشرع وجعلوا ذلك مسوغا للتقليد فليس الامر كما ذكروه ، فههنا واسطة بين الاجتهاد والتقليد وهي سؤال الجاهل للعالم عن الشرع فيما يعرض له ، لا عن رأيه البحت ، واجتهاده المحض ، وعلى هذا كان عمل المقصرين من الصحابة والتابعين وتابعيهم . ومن لم يسعه ما وسع أهل هذه القرون الثلاثة الذين هم خير قرون هذه الأمة على الاطلاق فلا وسع اللّه عليه . وقد ذم اللّه تعالى المقلدين في كتابه العزيز في كثير من [ الآيات ] ( إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ ) * ( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ) ( إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ) وأمثال هذه الآيات . ومن أراد استيفاء البحث على التمام فليرجع إلى الرسالة التي قدمت الإشارة إليها وإلى المؤلف الذي سميته « أدب الطلب ومنتهى الإرب » وما أحسن ما حكاه الزركشي في البحر عن المزني أنه قال : يقال لمن حكم بالتقليد : هل لك من حجة ؟ فان قال « نعم » أبطل التقليد لان الحجة أوجبت

--> ( 1 ) يعني ان الواجب في القضاء الذي يعرض هو النص والا فالاجتهاد لا التقليد . ولا يدل الحديث على الاذن في اجتهاد الرأي في العبادات لأنها لا تثبت الا بالنص ، ولكن قد يحتاج في بعضها إلى الاجتهاد في طريقة إيقاعها على الوجه المشروع كالاجتهاد في القبلة ، وهو ما سماه علماء الأصول تحقيق المناط ، وللاتفاق عليه أنكر الغزالي عده من القياس للاتفاق عليه والاختلاف في القياس ، حتى ما يسمى منه تنقيح المناط