الشيخ محمد رشيد رضا

209

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ذلك عنده لا التقليد . وان قال بغير علم قيل له فلم أرقت الدماء وأبحت الفروج والأموال وقد حرم اللّه ذلك الا بحجة ؟ فان قال أنا أعلم اني أصبت وان لم أعرف الحجة لأن معلمي من كبار العلماء . قيل له تقليد معلم معلمك أولى من تقليد معلمك ، لأنه لا يقول الا بحجة خفيت عن معلمك ، كما لم يقل معلمك الا بحجة خفيت عنك ، فان قال « نعم » ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه ثم كذلك حتى ينتهي إلى العالم من الصحابة ، فان أبى ذلك نقض قوله ، وقيل له كيف يجوز تقليد من هو أصغر وأقل علما ولا يجوز تقليد من هو أكبر وأغزر علما ، وقد روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم أنه حذر من زلة العالم ، وعن ابن مسعود أنه قال لا يقلدن أحدكم دينه رجلا ان آمن آمن وان كفر كفر ، فإنه لا أسوة في الشر ، انتهى ( قلت ) تتميما لهذا الكلام وعند أن ينتهي إلى العالم من الصحابة يقال له هذا الصحابي أخذ علمه من أعلم البشر المرسل من اللّه تعالى إلى عباده ، المعصوم من الخطأ في أقواله وأفعاله ، فتقليده أولى من تقليد الصحابي الذي لم يصل اليه الا شعبة من شعب علومه ، وليس له من العصمة شيء ؛ ولم يجعل اللّه سبحانه قوله ولا فعله ولا اجتهاده حجة على أحد من الناس ( واعلم ) أنه لا خلاف في أن رأي المجتهد عند عدم الدليل انما هو رخصة له يجوز له العمل بها عند فقد الدليل ولا يجوز لغيره العمل بها بحال من الأحوال ، ولهذا نهي كبار الأئمة عن تقليدهم وتقليد غيرهم . وقد عرفت حال المقلد انه انما يأخذ بالرأي لا بالرواية ، ويتمسك بمحض الاجتهاد عن مطالب « 1 » بحجة ، فمن قال إن رأي المجتهد يجوز لغيره التمسك به ويسوغ له ان يعمل به فيما كلفه اللّه ، فقد جعل هذا المجتهد صاحب شرع ، ولم يجعل اللّه ذلك لاحد من هذه الأمة بعد نبينا صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، ولا يتمكن كامل ولا مقصر ان يحتج على هذا بحجة قط . واما مجرد الدعاوي والمجازفات في شرع للّه تعالى فليست بشيء ، ولو جازت الأمور الشرعية بمجرد الدعاوي لادعى من شاء ما شاء ، وقال من شاء بما شاء اه

--> ( 1 ) كذا في الأصل ولعل صوابه غير مطالب فحرف غير بعن واللّه أعلم