الشيخ محمد رشيد رضا

19

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فلم يقل : فلا تعتدوا فيها - أو فلا تعتدوها - كما قال ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها ) ليشمل الامرين - اعتداء الطيبات نفسها إلى الخبائث ، والاعتداء فيها بالاسراف ، لأن حذف المعمول يفيد العموم . ثم علل النهي بما ينفر عنه فقال : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ الذين يتجاوزون حدود شريعته ، وسنن فطرته ، ولو بقصد عبادته وتحريم الطيبات المحللة قد يكون بالفعل ، من غير التزام بيمين ولا نذر ، وقد يكون بالتزام ، وكلاهما غير جائز ؛ والالتزام قد يكون لأجل رياضة النفس وتهذيبها بالحرمان من الطيبات ، وقد يكون لإرضاء بادرة غضب ، باغاظة زوجة أو والد أو ولد . كمن يحلف باللّه أو بالطلاق انه لا يأكل من هذا الطعام [ ومثله ما في معناه من المباحات ] أو يلتزم ذلك بغير الحلف والنذر من المؤكدات . ومن هذا الصنف من يقول : ان فعل كذا فهو برئ من الاسلام ، أو من اللّه ورسوله . وكل ذلك مذموم . ولا يحرم على أحد شيء يحرمه على نفسه بهذه الأقوال . وفي الايمان وكفارتها خلاف بين العلماء سيأتي بيانه وأما ترك الطيبات البتة كما تترك المحرمات - ولو بغير نذر ولا يمين - تنسكا وتعبدا للّه تعالى بتعذيب النفس وحرمانها ، فهو محل شبهة فتن بها كثير من العباد والمتصوفة ، فكان من بدعهم التركية ، التي تضاهي بدعهم العملية ؛ وقد اتبعوا فيها سنن من قبلهم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، كعباد بني إسرائيل ورهبان النصارى . وهؤلاء أخذوها عن بعض الوثنيين كالبراهمة الذين يحرمون جميع اللحوم ، ويزعمون أن النفس لا تزكو ولا تكمل الا بحرمان الجسد من اللذات . وقهر الإرادة بمشاق الرياضات ، وكانوا يحرمون الزينة كما يحرمون النّعمة ، فيعيشون عراة الأجسام ، ولا يستعملون الأواني لأطعمتهم ، بل يستغنون عنها بورق الشجر . وقد أرجعهم انتشار الاسلام في الهند عن بعض ذلك . ولا يزال الجم الغفير منهم يمشون في الأسواق والشوارع عراة ليس على أبدانهم الا ما يستر السوءتين فقط ، ويعبرون عن ذلك بكلمة « السبيلين » العربية التي يستعملها الفقهاء ، لأنهم أخذوها - كما يظهر - عن المسلمين الذين كانوا يجبرونهم على ستر عوراتهم . ومنهم من يشد في وسطه إزارا