الشيخ محمد رشيد رضا

18

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ومحاجتهم ، فكان أوفى وأتم ما ورد في القرآن من ذلك ، ولم يتخلله الا قليل من آيات الاحكام والوعود والعظات ، بينا مناسبتها له في مواضعها . وهذه الآيات عود إلى أحكام الحلال والحرام والنسك التي بدئت بها السورة ، ويتلوها العود إلى محاجة أهل الكتاب كما علمت . فمجموع آيات السورة في هذين الموضوعين . وانما لم تجعل آيات الاحكام كلها في أول السورة ، وتجعل الآيات في أهل الكتاب متصلا بعضها ببعض في باقيها . لما بيناه غير مرة من حكمة مزج المسائل والموضوعات في القرآن ، من حيث هو مثاني تتلى دائما للاهتداء بها ، لا كتابا فنيا ولا قانونا يتخذ لأجل مراجعة كل مسألة من كل طائفة من المعاني في باب معين على أن في نظمه وترتيب آية من المناسبة بين المسائل المختلفة ما يدهش أصحاب الافهام الدقيقة بحسنه وتناسقه ، كما ترى في مناسبة هذه الآيات لما قبلها مباشرة ، زائدا على ما علمت آنفا من مناسبتها لمجموع ما تقدمها من أول السورة إلى هنا : ذلك أنه تعالى ذكر ان النصارى أقرب الناس مودة للذين آمنوا ، وذكر من سبب ذلك أن منهم قسيسين ورهبانا ، فكان من مقتضى هذا ان يرغب المؤمنون في الرهبانية ، ويظن الميالون للتقشف والزهد أنها مرتبة كمال تقربهم إلى اللّه تعالى ، وهي انما تتحقق بتحريم التمتع بالطيبات طبعا من اللحوم والأدهان والنساء ، إما دائما كامتناع الرهبان من الزواج البتة ، واما في أوقات معينة كأنواع الصيام التي ابتدعوها ؛ وقد أزال اللّه تعالى هذا الظن ، وقطع طريق تلك الرغبة ، بقوله عز من قائل : * * * يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا أي لا تحرموا على أنفسكم ما أحل اللّه لكم من الطيبات المستلذة بأن تتعمدوا ترك التمتع بها تنسكا وتقربا اليه تعالى . ولا تعتدوا فيها بتجاوز حد الاعتدال إلى الاسراف الضارّ بالجسد كالزيادة على الشبع والريّ ، أو بالأخلاق والآداب كجعل التمتع بلذتها أكبر همكم ، أو شاغلا لكم عن معالي الأمور من العلوم والاعمال النافعة لكم ولأمتكم ، وهذا معنى قوله ( كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ) ولا تعتدوها هي - أي الطيبات المحللة - بتجاوزها إلى الخبائث المحرمة . فالاعتداء يشمل الامرين : الاعتداء في الشيء نفسه ، واعتداءه بتجاوزه إلى غيره مما ليس من جنسه ، وقد حذف المفعول في الآية