الشيخ محمد رشيد رضا
184
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كونها توزن أو تكال فهو من صفاتها العامة ، ككونها تنقل وتحمل وتنظر وتلمس وتباع وتشترى ، ولو كانت هذه الصفات مقصودة للنبي ( ص ) لما عبر عن الكثير الذي لا يحصر ببعض أفراده من غير بيان لعلته ، بل كان البيان الصحيح يتوقف على ما يفهم به المراد من التعبير ، كان يقول : كل ما يكال أو يوزن فحكمه كذا . وما قررناه واضح جداوان خفي على بعض أئمة الفقهاء فقد رأيت أن أكابر علماء الصحابة الذين كانوا أوسع علما وفهما للنصوص من أولئك الفقهاء بشهادة علماء الأمة كلهم قد خفي على بعضهم ما هو مثل هذه المسألة في الوضوح أو أشد . والبشر عرضة للغفلة والذهول ، وان من أنهض الحجج على بطلان التزام تقليد فرد معين من العلماء ما ظهر كالشمس من خطأ أكابر المجتهدين في بعض الأحكام ، إما بمخالفة النص الصريح ، وإما بتنكب القياس الصحيح ولم أر مثلا لجعل الكيل والوزن علة للربا أظهر من جعل « الدخول في الجوف » علة لتحريم الأكل والشرب على الصائم - في كون كل من العلتين لا يدل عليهما الشرع ولا اللغة ولا العقل المدرك للحكم والمصالح ، ولذلك قاسوا على الاكل والشرب إدخال المسبار في جرح البطن أو الرأس . حتى قال بعضهم : إذا خرجت مقعدته عند الغائط فأخلها بيده - أي بعد الاستنجاء - فإنه يفطر ! وبأمثال هذه الأقيسة زادت أحكام العبادات وأنواع المحرمات على ما كان معروفا في زمن اكمال الدين أضعافا كثيرة ، ولم يبق لنا شيء ينطبق عليه ما امتنّ به علينا الشارع من سكوته عن أشياء عفا عنها رحمة بنا من غير نسيان . تحقيقا لقوله تعالى إنه يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر ، وإنه ما جعل علينا في الدين من حرج ، وإنه لا يريد أن يعنتنا ما حققه الشوكاني في مسألة القياس بين الإمام محمد بن علي الشوكاني في كتابه ( ارشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ) الخلاف في القياس الفقهي هل يجوز التعبد به عقلا أم لا ؟ واختلاف القائلين بالجواز هل وقع بالفعل أم لا ؟ واختلاف القائلين بالوقوع في شروطه ودلائله هل هي سمعية أو عقلية ؟ وانقسام القائلين بعدم الوقوع إلى