الشيخ محمد رشيد رضا

183

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

معالجته على النظر اليه ، وكذا لمسه ، وإباحة لبس الحرير لمنع الحكمة أو القمل والأمثلة والشواهد كثيرة والغرض مما لخصناه هنا بيان فضيلة المذهب الوسط بين مذهبي نفي القياس البتة والتوسع فيه باستنباط العلل البعيدة . فمقتضى مذهب ابن حزم انه إذا وجد أهل قطر لا قوت لهم الا الرز ولا نقد لهم الا من النحاس فإنه يباح لهم الربا في نقدهم وقوتهم . وهذا ينافي حكمة الشارع في تحريم ذلك وهو غلو في الإباحة . ويقابله الغلو في الحظر وهو مذهب القائلين بجريان الربا في كل مكيل وموزون ، والمذهب الوسط ان الأجناس الستة المذكورة في الحديث كانت ولا تزال معيار الأثمان وأصول الأقوات لأكثر البشر فكان ربا النسيئة فيها - وهو الذي يتضاعف اضعافا كثيرة - مضرابهم ضررا بليغا ، فكان من الرحمة والمصلحة تحريمه أشد التحريم وجعله من الكبائر ، وتحريم ما كان ذريعة له تحريم الصغائر . فإذا وجدت هذه العلة في نقد آخر غير الذهب والفضة ، وقوت آخر غير البر والشعير والتمر والملح ، صح قياسهما على الأجناس الستة لحلولهما محلها ، وانطباق حكمة التشريع على ذلك ( فان قيل ) ان المعتدلين في القياس من أهل الأثر لا يعتدون الا بالعلة الثابتة عن الشارع بالنص كقوله تعالى في تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير ( 6 : 145 فَإِنَّهُ رِجْسٌ ) أي خبيث مستقذر فهو داخل في عموم ( وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ ) ولا نص على علة الربا ( قلنا ) انهم يريدون بالنص هنا ما ثبت بالمنطوق أو المفهوم أو القرينة الواضحة ، كفحوى الخطاب ولحنه وما يقوم مقامه ، فمنه ما يكون معلوما من مقاصد الشرع بالضرورة أو البداهة ، أو بضرب من ضروب الدلائل اللفظية كترتيب الحكم على المشتق كالزاني والسارق . والأجناس الستة التي ورد الحديث بجريان الربا فيها من هذا القبيل ، فان تخصيصها بالذكر لا بد ان يكون لمعنى فيها اقتضاه والا كان لغوا أو عبثا يتنزه عنه العقلاء ، فكيف يصدر عن الأنبياء ؟ وليس فيها معنى تمتاز به على غيرها من المعادن والأطعمة الا كونها نقود الناس التي هي معيار معاملاتهم ومبادلاتهم ، وأغذيتهم الرئيسة وأصول أقواتهم ، وأما