الشيخ محمد رشيد رضا
182
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ما يدخر . وأما الذهب والفضة فالعلة فيهما عند أبي حنيفة واحمد في احدى الروايتين عنه الوزن ، فيجري الربا على هذا في كل موزون وكل مكيل من المعادن كغيرها . وهذا أوسع الأقوال وأشدها في الربا . والجمهور على أن العلة فيهما الثمنية - أي كونهما معيار الأثمان في المعاملات كلها . قال ابن القيم : وهذا قول الشافعي ومالك واحمد في الرواية الأخرى . وهذا هو الصحيح بل الصواب . ثم أورد الأدلة على ذلك وأولها الاجماع على إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد وغيرهما ، فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدا ، فان ما يجري فيه الربا إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النساء ، والعلة إذا انتقضت من دون فرق مؤثر دل على بطلانها الخ ما قاله ( 4 ) بنى ابن القيم بيان حكمة تحريم الربا على الراجح المختار من تعليل حصره في الأجناس الستة ، ولا تظهر حكمة ذلك على قول من قال إن الربا يجري في كل ما يكال ويوزن ، بل هذا التضييق على العباد لا يعقل له حكمة ، ولا هو عبادة بالنص ، وقد بينا حكمة تحريم الربا في تفسير آياته من سورتي البقرة وآل عمران فيراجع هناك « 1 » وفي اعلام الموقعين ( 5 ) بين أيضا أن ما حرم لذاته لا يباح شرعا الا للضرورة ان كان مما يضطر اليه ، وما حرم لسد الذريعة يباح للحاجة والمصلحة ، وبنى على ذلك جواز بيع الحلية من الذهب والفضة بنقود منهما تزيد على وزنها في مقابلة ما فيها من الصنعة ، واستدل على هذا الجواز بأدلة منقولة ومعقولة أيضا ، واستشهد على جواز ربا الفضل للمصلحة الراجحة بإباحة النبي ( ص ) بيع العرايا « 2 » ، وذكر من نظائره إباحة نظر الخاطب والطبيب والشاهد إلى المرأة الأجنبية - حتى أن الطبيب ينظر كل عضو تتوقف
--> ( 1 ) ( ص 106 من الجزء الثالث وص 125 من الجزء الرابع من التفسير ) ( 2 ) العرايا جمع عرية كقضايا جمع قضية . وهي النخل تعطى لمن يأكل ثمرها ولا يملك رقبتها . والمراد ببيعها بيع ما عليها من الرطب بما يخرص ويقدر به من التمر ، لشدة حاجتهم إلى ذلك إذ كان يكون للرجل عرية في حائط نخل فيكره أصحاب الحائط دخوله عليهم لأخذ رطب عريته فيشترونه منه بالتمر