الشيخ محمد رشيد رضا
180
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الكتاب . وفي جوابه أو أجوبته هذه من حكم الشريعة وأسرارها وبيان موافقتها للعقل ومصالح البشر - ومن خطأ غلاة القياسيين ، ما لا يستغني عنه أحد من طلاب علم الشرع والنفقة في الدين نذكر من تلك المسائل الكثيرة مسألة واحدة على سبيل النموذج ، وهي الجواب عن قول منكري القياس ان الشارع حرم بيع مدّ حنطة بمد وحفنة وجوز بيعه بقفيز من شعير « * » ) فهذا تفريق بين المتماثلين مخالف للقياس والعقل عندهم . وقد أطال في ردّ هذا بما بين به حكمة تحريم الربا في النقدين والبر والشعير والتمر والملح التي ورد بها الحديث ، فنلخص ذلك بجمل وجيزة : الربا . موضوعه وعلته وحكمته ( 1 ) قال « الربا نوعان جلي وخفي . فالجلي حرم لما فيه من الضرر العظيم ، والخفي حرم لأنه ذريعة إلى الجلي ، فتحريم الأول قصدا ، وتحريم الثاني وسيلة . « فأما الجلي فربا النسيئة ، وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية ، مثل ان يؤخر دينه ويزيده في المال ، وكلما أخره زاد في المال حتى تصير المئة عنده آلافا مؤلفة ، وفي الغالب لا يفعل ذلك الا معدم محتاج ، فإذا رأى المستحق يؤخر مطالبته ويصبر عليه بزيادة يبذلها له تكلف بذلها ، ليفتدي من أسر المطالبة والحبس ، ويدافع من وقت إلى وقت ، فيشتد ضرره ، وتعظم مصيبته ، ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوده » الخ ( أقول ) وهذا الربا الجاهلي هو الذي نزل فيه التشديد والوعيد . وقال الإمام أحمد انه هو الربا الذي لا شك فيه . كما نقله المصنف عنه في هذا السياق وغيره عنه وعن غيره من السلف ، وهو الذي روى فيه ابن عباس وأسامة بن زيد عن النبي ( ص ) أنه قال « لا ربا الا في النسيئة » أو « انما الربا في النسيئة » كما رواه الشيخان في الصحيحين ، وقد روي ابن عباس وابن عمر لم يكونا يحرمان ربا الفضل ، وقيل رجعا عن ذلك ، وجزم الحافظ في الفتح برجوع الثاني والاختلاف في رجوع الأول . ويحتمل ان يكون مرادهما بالربا ما نزل فيه وعيد
--> ( * ) القفيز مكيال يساوي أربع ويبات والويبة مكيال يسع 22 أو 24 مدا نبويا