الشيخ محمد رشيد رضا

169

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أو معاملة استصحبوا بطلانه ، فأفسدوا بذلك كثيرا من معاملات الناس وعقودهم وشروطهم بلا برهان من اللّه بناء على هذا الأصل ، وجمهور الفقهاء على خلافه ، وأن الأصل في العقود والشروط الصحة ، الا ما أبطله الشارع أو نهى عنه . وهذا القول هو الصحيح فان الحكم ببطلانها حكم بالتحريم والتأثيم . ومعلوم أنه لا حرام الا ما حرمه اللّه ورسوله ، ولا تأثيم الا ما أثّم اللّه ورسوله به فاعله ، كما أنه لا واجب الا ما أوجبه اللّه ولا حرام الا ما حرمه اللّه ، ولا دين الا ما شرعه فالأصل في العبادات البطلان ؛ حتى يقوم دليل على الامر . والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم . والفرق بينهما ان اللّه سبحانه لا يعبد الا بما شرعه على ألسنة رسله ، فان العبادة حقه على عباده ، وحقه الذي أحقه هو ورضي به وشرعه ، وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفو حتى يحرمها . ولهذا نعى اللّه سبحانه على المشركين مخالفة هذين الأصلين ، وهو تحريم ما لم يحرمه ، والتقرب اليه بما لم يشرعه ، وهو سبحانه لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه لكان ذلك عفوا لا يجوز الحكم بتحريمه وابطاله ، فان الحلال ما أحله اللّه ، والحرام ما حرمه ، وما سكت عنه فهو عفو . فكل شرط وعقد ومعاملة سكت عنها فإنه لا يجوز القول بتحريمها فإنه سكت عنا رحمة منه من غير نسيان واهمال ، فكيف وقد صرحت النصوص بأنها على الإباحة فيما عدا ما حرمه ، وقد أمر اللّه تعالى بالوفاء بالعقود والعهود كلها فقال تعالى ( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ) وقال ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) وقال ( وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ ) * وقال تعالى ( وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا ) وقال تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ؟ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ) وقال ( بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) وقال ( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ ) وهذا كثير في القرآن إه ( أقول ) : ثم إنه أورد بعد هذا كثيرا من الأحاديث النبوية في هذا الموضوع وفيها ما هو عام وما هو خاص . منها حديث أبي رافع الذي أرسله المشركون إلى النبي ( ص ) فأسلم وأبى أن يرجع إليهم فقال له النبي ( ص ) « اني لا « تفسير القرآن الحكيم » « 22 » « الجزء السابع »