الشيخ محمد رشيد رضا

160

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وما نقل عن أبي بكر وعمر من القول والعمل على القضاء بكتاب اللّه ان وجد فيه الحكم والا فبسنة رسول اللّه ( ص ) فإن لم يوجد فيهما ما يقضى به جمعوا له الناس أو رؤساء الناس وفي رواية علماء الناس - وكلاهما صواب فقد كان الرؤساء علماء - واستشاروهم ، وكان يكون القضاء بما يجتمع رأيهم عليه . وكان القراء أصحاب مشورة عمر ، وكان وقافا عند كتاب اللّه تعالى ومنه ما في كتاب عمر إلى شريح : إذا وجدت شيئا في كتاب اللّه فاقض به ولا تلتفت إلى غيره ، وان اتاك شيء ليس في كتاب اللّه فاقض بما سن رسول اللّه ( ص ) فان اتاك ما ليس في كتاب اللّه ولم يسن رسول اللّه ( ص ) فاقض بما اجمع عليه الناس ، وان اتاك ما ليس في كتاب اللّه ولم يسنه رسول اللّه ( ص ) ولم يتكلم فيه أحد قبلك فان شئت ان تجتهد رأيك فتقدم ، وان شئت ان تتأخر فتأخر ، وما أرى التأخر الا خيرا لك . وفي رواية لابن جرير الاقتصار على امره بأن يجتهد رأيه عند عدم النص . وعن ابن مسعود كلام بمعنى هذا الا أنه قال في الحالة الثالثة لمن عرض عليه القضاء فان جاءه امر ليس في كتاب اللّه ولا قضى به نبيه ( ص ) فليقض بما قضى به الصالحون - وقال في الحالة الرابعة - فليجتهد رأيه ولا يقل إني أرى وإني أخاف ، فان الحلال بين والحرام بين ، وبين ذلك مشتبهات ، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك اه ومراد ابن مسعود بالصالحين هو عين مراد عمر بما اجمع عليه الناس في كتابه إلى شريح كالذين كان يستشيرهم ( رض ) أقول هذا زبدة ما ورد في هذا الفصل وغيره بمعناه . وكله يتعلق بأمر القضاء الا رأي عثمان في افراد العمرة عن الحج فإنه في مسألة دينية ، وهو شاذ ولا حجة في مثل هذا بقول صحابي وهو لم يأمر أحدا بالعمل به ، بل تركه إلى الناس ، وهم مخيرون فيه شرعا . واما القضاء بما ذكر من المراتب الأربعة فهو ليس برأي صحابي واحد ، وانما تلك سنتهم التي جروا عليها ، واهتدى بهم فيها سائر المسلمين فكانت اجماعا صحيحا . ولكن المتأخرين تركوا جمع العلماء لاستشارتهم فيما لا نص فيه اكتفاء بتقليد مذاهبهم . ولا حجة في هذه الطريقة ولا في أقوالهم فيها على جواز استخراج أحكام لم يرد بها قرآن ولا سنة في العبادات والحلال