الشيخ محمد رشيد رضا

161

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والحرام كما فعل المؤلفون في الفقه ، وانما الاجتهاد والرأي في الأقضية التي تحدث للناس في معاملاتهم وما في معناها من أمور السياسة ، وهي التي فوض اللّه امرها إلى اولي الامر بشرطه . الجمع بين إثبات الرأي وإنكاره ثم عقد ابن القيم فصلا للفصل بين الرأي الذي يعمل به والذي لا يعمل به فقال : « ولا تعارض بحمد اللّه بين هذه الآثار ، عن السادة الأخيار ، بل كلها حق ، وكل منها له وجه . وهذا انما يتبين بالفرق بين الرأي الباطل الذي ليس من الدين . والرأي الحق الذي لا مندوحة « 1 » عنه لاحد من المجتهدين ، فنقول وباللّه المستعان : « الرأي في الأصل مصدر رأى الشيء يراه رأيا ، ثم غلب استعماله على المرئي نفسه : من باب استعمال المصدر في المفعول كالهوى في الأصل مصدر هويه « 2 » يهواه هوى ، ثم استعمل في الشيء الذي يهوى فيقال : هذا هوى فلان . والعرب تفرق بين مصادر فعل الرؤية بحسب محالها فتقول : رأى كذا في النوم رؤيا ، ورآه في اليقظة رؤية ، ورأى كذا - لما يعلم بالقلب ولا يرى بالعين - رأيا ، ولكنهم خصوه بما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه الامارات ، فلا يقال لمن رأى بقلبه أمرا غائبا عنه مما يحس به انه رأيه ، ولا يقال أيضا للامر المعقول الذي لا تختلف فيه العقول ولا تتعارض فيه الامارات انه رأي ، وان احتاج إلى فكر وتأمل ، كدقائق الحساب ونحوها . « وإذا عرف هذا فالرأي ثلاثة أقسام : رأي باطل بلا ريب ، ورأي صحيح ، ورأي هو موضع الاشتباه . والأقسام الثلاثة قد أشار إليها السلف ، فاستعملوا الرأي الصحيح وعملوا به وأفتوا به وسوّغوا القول به ، وذموا الباطل ومنعوا من العمل والفتيا والقضاء به ، وأطلقوا ألسنتهم بذمه وذم أهله

--> ( 1 ) المندوحة السعة كذا في القاموس وقال في الصحاح : لي عن هذا الامر مندحة ومنتدح أي سعة ( 2 ) هويه كرضيه أحبه . قاموس