الشيخ محمد رشيد رضا

144

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لضعف في عزائمهم ، أو خوف على جاههم وكرامتهم عند الناس . ومنهم من عرف بعض الحق ولم يوفق لتمحيصه ، وكتبوا في ذلك كتبا ، خلطوا فيها عملا صالحا وآخر سيئا وجملة القول إن أنصار السنة ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ، منهم القوي والضعيف ، ولين القول وخشنه ، والمبالغ والمقتصد ، وقد فضلت الأندلس الشرق بعد خير القرون بإمام جليل منهم قوي العارضة ، شديد المعارضة ، بليغ العبارة ، بالغ الحجة ، ألا وهو الإمام المحدث الفقيه الأصولي مجدد القرن الخامس أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم . ألف كتبا في أصول الفقه وفروعه هدم بها القياس ، وبين إحاطة النصوص بالاحكام أبلغ بيان ، وأنحى بها على أهل الرأي أشد الإنحاء ، ولكنه جاء في القرن الخامس الذي تمكنت فيه المذاهب القياسية في جميع الأقطار ، بتقليد الجماهير وتأييد الحكومة لها وما حبس على أهلها من الأوقاف ، حتى صار المنتسبون إلى كل مذهب منها يقدمون قول كل مؤلف منتسب إليها ، على نصوص الشارع التي اتفق نقلة الدين على صحتها ؛ فما استفاد من كتب ابن حزم الا الأقلون ، وعندي أن الصارف الأكبر للناس عن كتبه هو شدة عبارته في تجهيل فقهاء القياس حتى الأئمة المتبوعين منهم . وقد كان أكابر العلماء في كل عصر يستفيدون من كتبه وينسخونها بأقلامهم ويتنافسون فيها ، ولكن قلما كانوا ينقلون عنها ، الا ما يجدونه من هفوة يردون عليها . ولذلك يعد من مناقب الشيخ عز الدين ابن عبد السّلام ، الذي اعترفوا له بالاجتهاد المطلق ولقب بسلطان العلماء ، قوله لمن سأله عن خير كتب الفقه في الاسلام : ( المحلى ) لابن حزم ، و ( المغنى ) للشيخ الموفق . وفي دار الكتب الكبرى بمصر نسخة من كتاب ( الإحكام في أصول الاحكام ) لابن حزم من خط علامة الشافعية في عصره ابن أبي شامة - فهذا الأثر وذلك القول يدلان على عناية كبار العلماء بكتب ابن حزم وحرصهم على الاستفادة منها لم يجئ بعد الإمام ابن حزم من يساميه أو يساويه في سعة علمه وقوة حجته وطول باعه وحفظه للسنة وقدرته على الاستنباط الا شيخ الاسلام مجدد القرن السابع أحمد تقي الدين ابن تيمية ، وهو قد استفاد من كتبه واستدرك علمه عليها ،