الشيخ محمد رشيد رضا
140
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
في غزوات بدر وأحد وتبوك . ولا يتأتى شيء من ذلك فيما كان بوحي « * » ( 4 ) الرسول ( ص ) معصوم من الخطأ فيما يبلغه عن اللّه عز وجل ، وفيما يبينه للناس من أمر دينه . ولذلك قال في مسألة تلقيح النخل حين ظن أنه لا ينفع فتركه بعضهم لظنه فخسر موسمه « انما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن اللّه شيئا فخذوا به فاني لن أكذب على اللّه » وقال أيضا « إنما أنا بشر مثلكم إذا أمرتكم بشيء من أمر دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر » وقال أيضا « أنتم أعلم بأمر دنياكم » رواهن مسلم ( 5 ) ان اللّه تعالى قد فوض إلى المسلمين أمور دنياهم الفردية والمشتركة الخاصة والعامة ، بشرط ان لا تجني دنياهم على دينهم وهدى شريعتهم - فجعل الأصل في الأشياء الإباحة بمثل قوله ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) وقوله ( وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ) - وجعل أمور سياسة الأمة وحكومتها شورى إذ قال في وصف المؤمنين ( وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ ) وأمر بطاعة أولي الامر - وهم أهل الحل والعقد ورجال الشورى - بالتبع لطاعة اللّه ورسوله ، وأرشد إلى ردّ أمور الامن والخوف المتعلقة بالسياسة والحرب والإدارة إلى الرسول وإلى أولي الامر ، كما تقدم بيان ذلك في سورة النساء [ راجع تفسير « أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ » « 1 » وتفسير « وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ » « 2 » ] وآتى هذه الأمة الميزان مع القرآن ، كما آتاه الأنبياء من قبل ، والميزان ما يقوم به العدل والمساواة في الاحكام من الدلائل والبينات التي يستخرجها أهل العلم والبصيرة باجتهادهم في تطبيق الأقضية على النص والعدل والمصلحة وأما أدلة ذلك من السنة فأعظمها وأظهرها سيرته ( ص ) في تدبير أمر الأمة في الحرب والسلم والسياسة العامة بمشاورة أولي الرأي والفهم والمكانة المحترمة من المؤمنين وهم كبراء المهاجرين والأنصار ( رض ) ومنها اذنه لمعاذ عند ارساله إلى اليمن
--> ( * ) راجع ص 279 و 395 ج 5 تفسير ( 1 ) ص 180 - 222 ج 5 تفسير ( 2 ) ص 298 ج 5 تفسير