الشيخ محمد رشيد رضا
134
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
اللّه إليكم ، ويقيدكم بقيود أنتم في غنى عنها [ وسيأتي تفصيل هذا المبحث قريبا عقب تفسير الآيات ] فحاصل هذا الوجه أن السؤال عن تلك الأشياء في زمن نزول القرآن يقتضي ابداءها لكم ، وإبداؤها يقتضي مساءتكم ، فيجب ترك السؤال عنها البتة وحاصل الوجه الأول تحريم السؤال عن الأشياء التي من شأن ابدائها ان يسوء السائلين الا في حالة واحدة وهي أن يكون قد نزل في شأنها شيء من القرآن فيه إجمال وأردتم السؤال عن بيانه ليظهر لكم ظهورا لأمراء فيه كما وقع في مسألة تحريم الخمر بعد نزول آية البقرة ( تقدم بيانه بالتفصيل ) فعلى هذا تكون الجملة الشرطية الثانية من قبيل الاستثناء من عموم النهي . وانما يدل هذا على جواز السؤال عن تلك الأشياء بشرطه لا على وجوبه ، فالسؤال عما ذكر غير مطلوب باطلاق وكل من هذين الوجهين ظاهر في السؤال عن الأشياء التي تقتضي أجوبتها تشريعا جديدا وأحكاما تزيد في مشقة التكاليف . ولا يظهر البتة في سؤال الآيات الكونية لما يعارض ذلك من النصوص الدالة على عدم إجابة مقترحي الآيات لعنادهم ومشاغبتهم ، وكون الإجابة تقتضي هلاكهم إذا لم يؤمنوا بها ، كما هي سنة اللّه فيمن قبلهم ( فان قيل ) انما هذا الوعد للمؤمنين ، وانما كانت تلك الاقتراحات من الكافرين ( قلنا ) لو أن المؤمنين فهموا من الآية أنهم يجابون إلى ما يقترحون من الآيات لوجد كثير منهم يقترح ذلك لما للنفوس من الشوق إلى رؤية الآيات . وأما السؤال عن الأمور الواقعة التي تقتضي أجوبتها أخبارا عن أسرار خفية وأمور غيبية ، فلا يظهر فيه كل من الجوابين مثل ظهوره في طلب الاحكام ، ولا سيما الأشياء الشخصية كسؤال بعضهم عن أبيه ، فإذا صح انه مراد من الآية فوجهه - واللّه أعلم - أن زمن نزول القرآن هو زمن بيان المغيبات ، واظهارها للرسول عند الحاجة إلى معرفتها ، ومنه وقت السؤال عنها ، فإنه ان سئل عنها يخبره اللّه بها مزيدا في إثبات نبوته ورسالته ، كما أخبره بالجواب عن الروح وعن أصحاب الكهف وذي القرنين حين سأله اليهود عنها . وعندي ان جوابه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لمن سأله عن أبيه جواب شرعي لا غيبي ، بدليل قوله بتلك