الشيخ محمد رشيد رضا
126
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
به على العالمين ، فناسب أن يصرح في أواخرها بأن الرسول قد أدى ما عليه من وظيفة البلاغ ، وأنه ينبغي للمؤمنين ان لا يكثروا عليه من السؤال ، لئلا يكون ذلك سببا لكثرة التكاليف التي يشق على الأمة احتمالها ، فتكون العاقبة ان يسرع إليها الفسوق عن أمر ربها . فان قيل : إذا كان الامر كذلك فلم طال الفصل بين هذا النهي وبين الخبر باكمال الدين ، ولم يتصل به في النظم الكريم ؟ قلت : تلك سنة القرآن في تفريق مسائل الموضوع الواحد من أخبار وأحكام وغيرهما لما بيناه مرارا من حكمة ذلك ، وهاك أقوى ما ورد في أسباب نزول الآيتين : روى أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وغيرهم عن أنس ابن مالك قال : خطب رسول اللّه ( ص ) خطبة ما سمعت مثلها قط وقال فيها « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا » قال فغطى أصحاب رسول اللّه ( ص ) وجوههم لهم خنين « 1 » فقال رجل : من أبي ؟ قال « فلان » فنزلت هذه الآية ( لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ ) قال الحافظ ابن كثير « وقال ابن جرير : حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة في قوله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) الآية ، قال فحدثنا أن أنس بن مالك حدثه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم سألوه حتى أحفوه بالمسألة فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر فقال « لا تسألوني اليوم عن شيء الا بينته لكم » فأشفق أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يكون بين يدي أمر قد حضر ، فجعلت لا ألتفت لا يمينا ولا شمالا الا وجدت كل رجل لافأ رأسه في ثوبه يبكي ، فأنشأ رجل كان يلاحي فيدعى إلى غير أبيه فقال : يا نبي اللّه من أبي ؟ قال « أبوك حذافة » قال ثم قام عمر - أو قال فأنشأ عمر - فقال رضينا باللّه ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا عائذا باللّه - أو قال أعوذ باللّه - من شر الفتن . قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « لم أر في الخير والشر كاليوم قط
--> ( 1 ) روي بالمعجمة وبالمهملة وهما اسمان لصوتين مخصوصين والمراد هنا الكباء بهما فالأول البكاء الذي يخرج به الصوت من الخياشيم مع غنة والثاني البكاء المرتفع من الصدر وهو دون النحيب