الشيخ محمد رشيد رضا
117
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المرتفع من كعب الرمح وهو طرف الأنبوب الناشز ، أو كعب الرجل وهو الناتئ عند مفصل الساق ، ومنه كعبت الجارية ( البنت ) وكعب ثديها يكعب إذا نتأ وارتفع فهي كاعب وكعاب ، وثدي كاعب . والأول أصح . وقد غلب اسم الكعبة على بيت اللّه الحرام الذي بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسّلام بمكة أم القرى في جزيرة العرب . وقد سبق بيان ذلك في تفسير سورة البقرة ( ج 1 ) وتفسير آل عمران ( ج 4 ) قال مجاهد : انما سميت الكعبة لأنها مربعة . وقال عكرمة : انما سميت الكعبة لتربيعها . و [ القيام ] أصله القوام بالواو فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها كالميزان . والمراد به ما يقوم به أمر الناس ويتحقق أو يستقيم ويصلح . وقرأ ابن عامر « قيما » بكسر القاف وفتح الياء ، وهو بمعنى « قياما » وقد تقدم مثله في أول سورة النساء و [ الشهر الحرام ] ذو الحجة الذي تؤدى فيه مناسك الحج في تلك المعاهد المقدسة . وقيل المراد به جنس الأشهر الحرم التي كانوا يتركون فيها القتال . و [ الهدي ] ما يهدى إلى الحرم من الانعام للتوسعة على فقرائه . و [ القلائد ] هنا ذوات القلائد من الهدي وهي الانعام التي كانوا يقلدونها إذا ساقوها هديا ، خصها بالذكر لعظم شأنها . وقيل هي على معناها الأصلي وهو ما يقلد به الهدي من النبات ، وكذا ما كان يتقلد به مريد والحج والراجعون منه إلى بلادهم ليأمنوا على أنفسهم في عهد الجاهلية . وتقدم تفصيل القول في ذلك أول السورة والمعنى على الوجه الأول في الجعل ان اللّه تعالى جعل الكعبة التي هي البيت الحرام قياما للناس الذين يقيمون بجوارها والذين يحجونها ، أي سببا لقيام مصالحهم ومنافعهم ، بايداع تعظيمها في القلوب ، وجذب الأفئدة إليها ، وصرف الناس عن الاعتداء فيها ، وعلى مجاوريها وحجاجها ، وتسخيرهم لجلب الارزاق إليها . فهذا هو الجعل الخلقي التكويني . ويؤيده دعاء إبراهيم صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم الذي حكاه اللّه تعالى عنه بقوله ( 14 : 37 رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ . رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) وفي معناه قوله تعالى ( 38 : 57 وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا . أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً