الشيخ محمد رشيد رضا

118

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مِنْ لَدُنَّا ؟ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) وقوله تعالى ( 39 : 67 أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ؟ . . . ) والمعنى على الوجه الثاني انه جعلها قياما للناس في أمر دينهم المهذب لأخلاقهم المزكي لأنفسهم ، بما فرض عليهم من الحج الذي هو من أعظم أركان الدين لأنه عبادة روحية بدنية مالية اجتماعية - وتقدم بيان بعض حكمه وسيأتي لها مزيد ان شاء اللّه تعالى - وما شرع في مناسك الحج من الصدقات والذبائح التي تطهر فاعلها من رذيلة البخل وتحببه وتحبب اليه الفقراء والمساكين ، ويتسع بها رزق أهل الحرم . وهذا هو الجعل الامري التشريعي . دع ما تستلزمه كثرة الناس هنالك من جلب الارزاق وعروض التجارة التي تقوم بها أمور المعيشة روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ( رض ) انه فسر القيام هنا بقوله : قياما لدينهم ومعالم لحجهم ، وفي رواية أخرى عنه قال : قيامها أن يأمن من توجه إليها . وروي عن سعيد بن جبير فيه ثلاثة أقوال ( 1 ) صلاحا لدينهم ( 2 ) شدة لدينهم ( 3 ) عصمة في امر دينهم . فهذه أقوال من جعل القيام دينيا فقط . وانما هو ديني دنيوي ، لان أهل الحرم وحجاجه ما كانوا ليجدوا فيه ما يعيشون به من الغذاء ، وما يأمنون به على أنفسهم الهلاك ، لولا ان جعل اللّه الكعبة والشهر الحرام والهدي والقلائد قياما لأمر المعيشة ، كما جعلها قياما لامر الدين ، ولكن خص بعضهم القيام الدنيوي بزمن الجاهلية روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : كان الناس فيهم ملوك يدفع بعضهم عن بعض ولم يكن في العرب ملوك يدفع بعضهم عن بعض ، فجعل اللّه لهم البيت الحرام قياما يدفع بعضهم عن بعض به - والشهر الحرام كذلك يدفع اللّه بعضهم عن بعض بالأشهر الحرم والقلائد ، ويلقى الرجل قاتل أبيه وابن عمه فلا يعرض له ، وهذا كله قد نسخ وروى ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال : جعل اللّه البيت الحرام والشهر الحرام قياما للناس يأمنون به في الجاهلية الأولى لا يخاف بعضهم بعضا حين يلقونهم عند البيت أو في الحرم أو في الشهر الحرام