الشيخ محمد رشيد رضا
116
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وروى احمد والشيخان عن الصعب بن جثامة انه أهدى إلى رسول اللّه ( ص ) حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودّان ( كلاهما في طريق مكة ) فرده عليه . فلما رأى ما في وجهه قال « انا لم نردّه عليك الا أنا حرم » وروى الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم من حديث جابر ان النبي ( ص ) قال « صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم » وله طرق لا يخلو واحد منها من علة . قال الشافعي : هذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيس وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ فلا تحلوا ما حرمه عليكم من الصيد وغيره مخافة ان يعاقبكم يوم تحشرون اليه ، اي تجمعون وتساقون اليه يوم الحساب * * * ( 100 ) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ . ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ، وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ هذه الآية تتمة السياق السابق ، وقد ذكر اللّه تعالى فيه ان جزاء الصيد يكون هديا بالغ الكعبة . وأريد بالكعبة هنالك حرمها وجوارها الذي تؤدى فيه المناسك كما تقدم ، ثم ذكر الكعبة هنا وأراد به عينها ولذلك بينها بالبيت الحرام ، وذكر الهدي أيضا . وقال الرازي : اعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها هو ان اللّه تعالى حرم في الآية المتقدمة الاصطياد على المحرم ، فبين ( اي هنا ) ان الحرم كما أنه سبب لأمن الوحش والطير فكذلك هو سبب لأمن الناس من الآفات والمخافات ، وسبب لحصول الخيرات والسعادات في الدنيا والآخرة . اه جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ الجعل هنا إما خلقي تكويني وهو التصيير ، وإما أمريّ تكليفي وهو التشريع ، وسيأتي توجيه كل منهما . و [ الكعبة ] في اللغة البيت المكعب اي المربع . وقيل