الشيخ محمد رشيد رضا
113
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والوبال ولم يستعمله في ادراك الطعوم الا في قوله تعالى ( فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ ) وفي قوله ( لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً ) وكل استعماله فيما يكره ويذم . ولا شك في أن الجزاء والعقوبة من أثقل الأشياء وأشقها على الناس سواء كانت مالية أو بدنية عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ اي لا يؤاخذكم اللّه تعالى بما سلف قبل التحريم أو قبل الجزاء ، وقيل عما سلف في الجاهلية لان الاسلام يجبّ ما قبله ويطهر نفس صاحبه من الأدران السابقة فلا يبقي لها أثرا في النفس تترتب عليه مؤاخذة وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ أي ومن عاد إلى قتل الصيد بعد تحريمه وايجاب الجزاء والكفارة عليه - أو من عاد إلى قتله مرة ثانية بعد ان كفر عنه في المرة الأولى - فان اللّه ينتقم منه في الآخرة ، لان الجزاء في الدنيا لم يزعه ولم يزجره عن الاصرار على المخالفة . واللّه عزيز أي غالب على أمره فلا يغلبه العاصي ، ذو انتقام ممن أصر على الذنب . والانتقام المبالغة في العقوبة . وظاهر الآية ان الجزاء في الدنيا انما يمنع العقاب في الآخرة إذا لم يتكرر الذنب ، فان تكرر استحق صاحبه الجزاء في الدنيا والعقاب في الآخرة ، وبهذا قال الجمهور . وروي عن سعيد بن جبير وعطاء ان الانتقام هنا هو الكفارة . وهو خلاف الظاهر . وروي عن ابن عباس ان من قتل شيئا من الصيد خطأ وهو محرم يحكم عليه فيه كلما قتله ، فان قتل عمدا يحكم عليه مرة واحدة فان عاد يقال له : ينتقم اللّه منك ، كما قال اللّه عز وجل . والمراد انه لا تجتمع عليه عقوبتا الدنيا والآخرة ، وبهذا قال شريح ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي كما رواه ابن جرير * * * ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ) المراد بالبحر الماء الكثير المستبحر الذي يوجد فيه السمك وغيره من الحيوانات المائية التي تصاد فيدخل فيه الأنهار والآبار والبرك ونحوها . وصيد البحر ما يصطاد منه مما يعيش فيه عادة وان أمكن ان يعيش خارجه قليلا أو كثيرا كالسرطان والسلحفاء . وقيل هو ما لا يعيش الا فيه . وطير الماء ليس منه فيما يظهر على القولين ، لأنه ليس من الحيوانات « تفسير المائدة » « 15 » « الجزء السابع »