الشيخ محمد رشيد رضا

108

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لأبي حنيفة رحمه اللّه حيث أوجب القيمة سواء كان الصيد المقتول مثليا أو غير مثلي . قال وهو مخير ان شاء تصدق بقيمته وان شاء اشترى به هديا . والذي حكم به الصحابة في المثلي أولى بالاتباع ، فإنهم حكموا في النعامة ببدنة وفي بقرة الوحش ببقرة وفي الغزال بعنز . وذكر قضايا الصحابة وأسانيدها مقرر في كتاب الأحكام . وأما إذا لم يكن الصيد مثليا فقد حكم ابن عباس فيه بثمنه يحمل إلى مكة . رواه البيهقي ثم قال وقوله تعالى : « يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ » يعني انه يحكم بالجزاء بالمثل أو بالقيمة في غير المثلي عدلان من المسلمين . واختلف العلماء في القاتل هل يجوز أن يكون أحد الحكمين على قولين ( أحدهما ) لا ، لأنه قد يتوهم في حكمه على نفسه وهذا مذهب مالك ( والثاني ) نعم ، لعموم الآية وهو مذهب الشافعي واحمد . واحتج الأولون بأن الحاكم لا يكون محكوما عليه في صورة واحدة . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين حدثنا جعفر هو ابن برقان عن ميمون بن مهران ان اعرابيا أتى أبا بكر فقال : قتلت صيدا وأنا محرم فما ترى علي من الجزاء ؟ فقال أبو بكر رضي اللّه عنه لأبيّ بن كعب وهو جالس عنده : ما ترى فيما قال الاعرابي ؟ فقال الاعرابي أتيتك وأنت خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أسألك وأنت تسأل غيرك ؟ فقال أبو بكر وما تنكر ؟ يقول اللّه تعالى ( فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) فشاورت صاحبي إذا اتفقنا على أمر أمرناك به . وهذا اسناد جيد لكنه منقطع بين ميمون والصدّيق . ومثله يحتمل ههنا . فبين له الصديق الحكم برفق وتؤدة لما رآه أعرابيا جاهلا وانما دواء الجهل التعليم . فاما إذا كان المعترض منسوبا إلى العلم فقد قال ابن جرير : حدثنا هناد وأبو هشام الرفاعي قالا حدثنا وكيع بن الجراح عن المسعودي عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر قال : خرجنا حجاجا فكنا إذا صلينا الغداة أقدنا رواحلنا فنتماشى نتحدث ، قال فبينما نحن ذات غداة إذ سنح لنا ظبي أو برح ، فرماه رجل كان معنا بحجر فما أخطأ حشاه . فركب وودعه ميتا ، قال فعظمنا عليه ، فلما قدمنا مكة خرجت معه حتى أتينا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقص عليه القصة ، قال وإلى جنبه رجل كأن وجهه قلب فضة . يعني عبد الرحمن بن عوف . فالتفت عمر إلى صاحبه فكلمه ،