الشيخ محمد رشيد رضا
9
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من الأقوام ، فكانوا أقرب مودة لهم ، وكانوا أسرع إلى الايمان من غيرهم ، فصدق عليهم قوله تعالى ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ ، يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ ، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ ) وما كان ذلك الاصر والاغلال إلا شدة أحكام التوراة في الطعام والشراب والاحكام المدنية والجنائية ، وشدة احكام الإنجيل في الزهد وإذلال النفس وحرمانها ومما يدل على كون النصارى أقرب من اليهود إلى الاسلام بطبيعة دين كل منهما وفاقا لتعليل الآية الكريمة كثرة من يسلم من النصارى في كل زمان وقلة من يسلم من اليهود ، ولولا ضعف المسلمين في هذا الزمان ، واعراضهم عن هداية القرآن ، واهمالهم الدعوة إلى الاسلام ، وابرازه بصورته الصحيحة للأنام - . على فساد حكوماتهم وعجز رجالها في السياسة ، وتخلفهم عن مجاراة الأمم في العلم والحضارة - ولولا بلوغ دول الإفرنج النصرانية فيه أوج العزة والقوة ، وسبق أممهم في حلبة المدنية والثروة ، واستمالتهم لنصارى الشرق وجذبهم إليهم ، واعتزاز هؤلاء بهم ، وتلقيهم أساليب التربية الدينية والمدنية عنهم ، وجعل الدين فيها من المقوّمات الجنسية للأقوام والشعوب تربى على أن تحافظ عليها كما تحافظ على لغتها ، فلا تستبدل بها غيرها وان كانت خيرا منها - إلى غير ذلك من قوانين هذه التربية وأساليبها - ولولا ما أشرنا اليه من التنازع السياسي الدنيوي بين دولنا ودولهم ، لكانت المودة بين الفريقين أتم ، وانتشار الاسلام فيهم أعم ، لأن الاسلام اصلاح في النصرانية ، كما أن النصرانية اصلاح في اليهودية ، فاليهود الذين عادوا النصرانية ، كانوا أجدر ممن صلحوا بها بعداوة الاسلامية . ودين اللّه على ألسنة موسى وعيسى ومحمد ( ص ) واحد ، ولكنه جرى مع البشر على سنة الارتقاء ، إلى أن بلغ سن الكمال . فان قيل : إذا كنت تزعم أن سبب ما ذكره اللّه تعالى من كون النصارى أقرب الناس مودة للمؤمنين هو تعاليم دينهم وتقاليده ، وانه لذلك يجب ان يكون عاما فيهم ، وان نزل في طائفة معينة منهم ، إذا انتفت الموانع - فبماذا تجيب عن الحرب « تفسير المائدة » « 2 » « الجزء السابع »