الشيخ محمد رشيد رضا

86

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

جاء يبكت العالم على الخطيئة وعلى البر والحساب ( الدينونه ) وفسر الخطيئة بعدم الايمان به أي المسيح ، ومنه انه هو أي المسيح لا يستطيع ان يقول لهم كل شيء لعدم استعدادهم وعدم طاقتهم الاحتمال ، قال ( 13 وأما متى جاء ذلك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية 14 ذلك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم ) ولم يجيء بعد المسيح أحد من عند اللّه وبخ الناس وبكتهم على عدم الايمان بالمسيح وعلى طعن بعضهم فيه وفي أمه ، وعلى غلو طائفة فيهما وجعلهما آلهين مع اللّه ، وعلم الناس كل شيء من أمور العقائد والآداب والفضائل والاحكام الشخصية والمدنية ، وأخبر بالأمور المستقبلة - لم يجيء أحد بكل هذا الاروح الحق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو منبثق من اللّه أي مرسل منه لاحياء الناس كما يرسل اللّه الغيث لاحياء الأرض ، وفي الحديث انه شبه بعثته بالغيث الذي تأخذ منه كل أرض بحسب استعدادها . فإذا كانت عبارة يوحنا تدل على أن روح الحق الذي بشر به المسيح وانه يأتي بعده تدل بلفظ الانبثاق على ما قالوا فليجعلوا محمدا ( ص ) هو الأقنوم الثالث أو اقنوما رابعا وينتقلوا من التثليث إلى التربيع ، لا ، لا أقول لهم أصروا على هذا التأويل والتضليل ، بل أقول لهم ما قاله اللّه عز وجل ، « لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ » إلى قوله تعالى : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ الخ أي فإذا كان الامر كذلك وهو المعقول ، الذي لا تحتمل غيره النقول ، فآمنوا باللّه إيمانا يليق به وهو انه واحد أحد ، فرد صمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ، تنزه عن صفات الحوادث ، ونسبتها اليه واحدة ، وهي انها مخلوقة وهو الخالق ، ومملوكة وهو المالك ، وان هذه الأرض في مجموع ملكه أقل من حبة رمل بالنسبة إلى اليابس منها ، ومن نقطة ماء بالنسبة إلى بحارها وأنهارها ، فمن الجهل الفاضح ان يجعل له ندّ وكفوء فيها ، أو يقال إنه حل أو اتحد بشيء منها ، - وآمنوا برسله كلهم ، كما يليق بهم ، وهو انهم عبيد له خصهم بضرب من العلم والهداية ( الوحي ) ليعلموا الناس كيف يوحدون ربهم ويعبدونه ويشكرونه ، وكيف يزكون أنفسهم ، ويصلحون ذات بينهم - ولا تقولوا : الآلهة ثلاثة الآب والابن وروح القدس ، أو : اللّه ثلاثة أقانيم كل منها عين الآخر ، فكل