الشيخ محمد رشيد رضا

87

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

منها إله كامل ، ومجموعها إله واحد . فتسفهوا أنفسكم بترك التوحيد الخالص الذي هو ملة إبراهيم وسائر الأنبياء عليهم السّلام ، والقول بالتثليث الذي هو عقيدة الوثنيين الطغام ، ثم تدعوا الجمع بين التثليث الحقيقي والتوحيد الحقيقي وهو تناقض تحيله العقول ولا تقبله الافهام ، انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ أي انتهوا عن هذا القول الذي ابتدعتموه في دين الأنبياء ، تقليدا لآبائكم الوثنيين الأغبياء ، يكن هذا الانتهاء خيرا لكم ، أو انتهوا عنه وانتحلوا قولا آخر خيرا لكم منه ، وهو قول جميع النبيين والمرسلين بتوحيده وتنزيهه حتى المسيح الذي سميتموه إلها فان مما لا تزالون تحفظون عنه قوله في إنجيل يوحنا ( وهذه هي الحياة الأبدية ان يعرفوك أنت الاله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته ) إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ ليس له أجزاء ولا أقانيم ولا هو مركب ولا متحد بشيء من المخلوقات سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ أي تنزه وتقدس عن أن يكون له ولد كما تقولون في المسيح انه ابنه وانه هو عينه ، فإنه تبارك وتعالى ليس له جنس فيكون له منه زوج يقترن بها فتلد له ابنا . والنكتة في اختيار لفظ الولد في الرد عليهم ، على لفظ الابن الذي يعبرون به ، هي بيان انهم إذا كانوا يريدون الابن الحقيقي الذي يفهم من هذا اللفظ فلا بد ان يكون ولدا أي مولودا من تلقيح أبيه لامه وهذا محال على اللّه تعالى ، وان أرادوا انه ابن مجازا لا حقيقة كما أطلق في كتب العهد العتيق والعهد الجديد على إسرائيل وداود وعلى صانعي السّلام وغيرهم من الأخيار ، فلا يكون له دخل في الألوهية ، ولا يعد من باب الخصوصية ، لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي ليس له ولد خاص مولود منه يصح ان يسمى ابنه حقيقة بل له كل ما في السماوات والأرض - والمسيح من جملتها - خلق كل ذلك خلقا ، وكل ذي عقل منها وادراك يفتخر بأن يكون له عبدا ، ( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ) لا فرق في هذا بين الملائكة المقربين ، والنبيين الصالحين ، كما صرحت به الآية التالية لهذه . ولا بين من خلقه ابتداء من غير أب ولا أم كالملائكة وآدم ، ومن خلق من أصل واحد كحواء وعيسى ، ومن خلق من الزوجين الذكر والأنثى . كلهم بالنسبة اليه تعالى سواء ، عبيد له من خلقه محتاجون دائما إلى فضله وهو يتصرف فيهم كما يشاء ،