الشيخ محمد رشيد رضا
85
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أبوه شيخا كبيرا وأمه عاقرا ، ولكن الواسطة والسبب واحد وهو الملك المسمى بروح القدس أيدهم اللّه به نساء ورجالا عليهم السّلام ، فمن الحماقة أن يقول قائل مع هذا أن قوله تعالى « وَرُوحٌ مِنْهُ » يفيد انه جزء من اللّه تعالى اللّه عن التركيب والتجزؤ والحلول والاتحاد بخلقه . بل يقولون إن تلاميذ المسيح أنفسهم كانوا مؤيدين بروح القدس حتى من طرده المسيح ولعنه منهم وسماه شيطانا . وقد أيد به من كان دونهم أيضا علمنا أن مؤلفي الأناجيل يستعملون كلمة روح القدس استعمالا يدل على أنه ملك من خلق اللّه ، ولكن يوحنا قد انفرد بعبارات يمكن ارجاعها إلى استعمال غيره ويمكن تحريفها للاستدلال بها على شيء آخر كما فعلوا ، فهم يقولون إن الروح منبثق من الآب وانه عين الآب ويستدلون على ذلك بقول يوحنا حكاية عن المسيح ( 15 : 26 ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي ) أصل الانبثاق أن يكسر الماء ما أمامه من سد على الشط ويفيض على ما وراءه ، وفي قراءة أخرى في ترجمة البروتستانت « يخرج » فمن هذه الكلمة استنبطوا عقيدة وثنية تنقضها نصوص كثيرة في الأناجيل وهذه الجملة خبر عن شيء يكون في المستقبل ( وفرق بين ينبثق من عنده وبين انبثق منه على أن هذه لا تدل على ما زعموا أيضا ) وهي بشارة من المسيح بمن يرسله اللّه تعالى بعده الذي عبروا عنه هنا بالمعزّي . وكلمة المعزّي ترجمة للبار قليط وهي كلمة يونانية معناها ( محمد أو أحمد ) وتقرأ بالاستقامة وبالإمالة فلا يحتاج في تحريفها عن المعنى الذي قلناه إلى معنى المعزي الذي قالوه الا إلى ليّ اللسان بها ليا قليلا . وقد ترجمت في إنجيل برنابا بمحمد فكانت هذه الترجمة موضع الاستغراب عند كثير من الناس ظانين ان برنابا نقل عن المسيح انه نطق بكلمة محمد العربية ، والظاهر أنه نطق بترجمتها ، ومن عادة أهل الكتاب ، ترجمة الاعلام والألقاب ، على أن « روح الحق » من جملة أسماء نبينا ( ص ) كما ترى في أسمائه المسرودة في دلائل الخيرات . وقد بين يوحنا في الفصل السادس عشر من إنجيله تفصيلا عن المسيح عليه السّلام لبشارته بالبارقليط ، منه أنه خبر لهم ان يذهب هو من الدنيا لأنه إذا لم يذهب لا يأتي البارقليط ، وانه متى