الشيخ محمد رشيد رضا
79
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
البقاء في دار لا يخرج منها . والمراد بالسكنى الدائمة في العرف ما يقابل السكنى الموقتة المتحولة كسكنى البادية ، فالذين لهم بيوت في المدن يسكنونها يقال في اللغة انهم خالدون فيها . قال في اللسان : وخلد بالمكان يخلد خلودا ( من باب نصر ) وأخلد أقام . . . وخلد ( كضرب ونصر ) خلدا وخلودا أبطأ عنه الشيب . ومن كبر ولم يشب أو لم تسقط أسنانه يقال له المخلد وقال زهير : لمن الديار غشيتها بالغرقد * كالوحي في حجر المسيل المخلد والأبد كما قال الراغب « عبارة عن مدة الزمان الممتد الذي لا يتجزأ كما يتجزأ الزمان . . . وتأبد الشيء بقي أبدا ويعبر به عما يبقى مدة طويلة » وفي لسان العرب « الأبد الدهر » وفيه تساهل . وقالوا في المثل « طال الأبد على لبد » يضرب ذلك لكل ما قدم . وقالوا : أبد بالمكان ( من باب ضرب ) أبودا ، أقام به ولم يبرحه . ولم يكن عندهم شيء بمعنى اللا نهاية يدور في كلامهم . وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً أي وكان ذلك الجزاء سهلا على اللّه دون غيره ، لأنه مقتضى حكمته وسنته ، ولا يستعصي على قدرته ، فعلى العاقل أن يتدبر ويتفكر ، ليعلم أنه لا ملجأ له من اللّه ولا مفر ، ولكل نبأ مستقر ، * * * يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ نادى اللّه تعالى بهذه الآية جميع الناس ، في سياق خطاب أهل الكتاب ، لان الحجة إذا قامت عليهم بشهادة اللّه تعالى بنبوة محمد ( ص ) ووجب عليهم الايمان به ، فبالأولى تقوم على غيرهم ، ممن ليس لهم كتاب ككتابهم ، وذكر الرسول ههنا معرّفا لان أهل الكتاب قد بشروا به ، وكانوا ينتظرون بعثته ، بعنوان انه الرسول الكامل ، الذي هو المتمم الخاتم ، ومما يدل على أن اليهود كانوا ينتظرون من اللّه مسيحا ونبيا بشر بهما أنبياؤهم ما جاء في أوائل الفصل الأول من إنجيل يوحنا وهو انهم أرسلوا بعض الكهنة واللاويين إلى يوحنا ( يحيى عليه السّلام ) ليسألوه من هو وكانت قد ظهرت عليه أمارات النبوة - فسألوه أأنت المسيح ؟ قال لا ، قالوا أأنت النبي ؟ قال لا . والشاهد انهم ذكروا له النبي بلام العهد . فلا شك ان يهود العرب ونصاراهم لما سمعوا هذه الآية في زمن التنزيل تذكر مجيء الرسول المعرّف بصيغة التحقيق ( قَدْ )