الشيخ محمد رشيد رضا
80
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فهموا أن المراد به الرسول الذي بشرهم به موسى ( ص ) في التوراة ( وهو في سفر تثنية الاشتراع ) وعيسى في الإنجيل ( وسيأتي شاهد منه في تفسير الآية التالية لهذه ) وغيرهما من الأنبياء عليهم السّلام . ومن لم يعرف شيئا من أمر هذه البشارات يفهم من التعريف معنى آخر هو صحيح ومراد وهو ان التعريف لإفادة ان هذا الرسول هو الفرد الكامل في الرسل لظهور نبوته ، ونصوع حجتة ، وعموم بعثته ، وختم النبوة والرسالة به ، ومعنى كونه جاء الناس بالحق من ربهم ، أنه جاءهم بالقرآن الذي هو أبلغ بيان للحق ، وأظهر الآيات المؤيدة له . واختيار لفظ الرب هنا للاشعار بأن هذا الحق الذي جاء به يقصد به تربية المؤمنين وتكميل فطرتهم ، وتزكية نفوسهم ، ولهذا قال فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ أي إذا كان الامر كذلك فآمنوا فان تؤمنوا يكن الايمان خيرا لكم لأنه يزكيكم ويطهركم من الأدناس الحسية والمعنوية ، ويؤهلكم للسعادة الأبدية ، هذا هو التقدير المتبادر عندي وعليه الكسائي وأما الخليل وتلميذه سيبويه فيقدران واقصدوا بالايمان خيرا لكم ، أي مما أنتم عليه . وقال الفراء فآمنوا ايمانا خيرا لكم . ويدل على ما اخترناه قوله في مقابله وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ان تؤمنوا يكن الايمان خيرا لكم ، وإن تكفروا فان اللّه غني عن ايمانكم ، وقادر على جزائكم بما يقتضيه كفركم ، وما يترتب عليه من سوء عملكم ، لان له ما في السماوات وما في الأرض خلقا وعبيدا ، وكل يعبده طوعا أو كرها ، أما عبادة الكره وعدم الاختيار ، فبالخضوع للسنن والاقدار ، وهي عامة في جميع الخلق ، حتى ما ليس له ادراك ولا عقل ، وأما عبادة الاختيار ، فخاصة بالمؤمنين الأخيار ، والملائكة الأبرار ، وأمثالهم من جنود اللّه وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً أي وكان شأنه العلم المحيط والحكمة الكاملة كما يظهر ذلك في جميع أفعاله وأحكامه وسننه ، فلا يخفى عليه شيء من امركم ، في ايمانكم وكفركم ، ولا يعدو حكمته أمر جزائكم ، وحاشا علمه وحكمته ان يخلقكم عبثا ، وأن يترككم بعد ذلك سدى ، كلا انه يجزي كل نفس بما تسعى ، فطوبى لمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ، وويل لمن أعرض عن ذكر ربه ولم يرد الا الحياة الدنيا .