الشيخ محمد رشيد رضا
76
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
البديع الذي لم يسبق اليه ولا يلحق فيه ، من مزج هذه العلوم بعضها ببعض مزجا دقيقا يؤلف بين ما كان موضوعه منها أعلى الموضوعات كالمسائل الإلهية ، وما كان منها أدنى كشؤون الكفار والمجرمين ، بحيث يكون القليل من آياته كالكثير منها مؤثرا في جذب القلوب إلى الايمان ، وتغذيتها بالحق والخير - وبماله من السلطان على الأرواح بهدايته وبلاغته ، وبما فيه من أنباء الغيب عن الماضي والحاضر والمستقبل - وبما فيه من التناسق والتصادق ، والسلامة من الخلاف والتعارض ، على كثرة علومه ، وتشعب فنونه ، - هو بمثل هذه الخصائص والمزايا البارزة في أعلى حلل الفصاحة والبلاغة ، مثبت لشهادة اللّه تعالى به ، وبأنه وحي من عنده ، لأن تلك الخصائص والمزايا لا يقدر على الاتيان بها افراد العلماء الواسعي الاطلاع ، فضلا عن أمّي نشأ بين الأميين ووصل إلى سن الكهولة ولم يظهر منه شيء من مثل ذلك ، ولا مما دونه من مظاهر فصاحة قومه كالشعر والخطابة والمفاخرة ، فإذا كان لا يقدر على مثله أحد من علماء الدنيا والدين ، وفحول البلاغة المقرمين ، تعين انه من عند اللّه . فكأنه تعالى يقول لنبيه : ماذا يضرك جحود اليهود وعدم شهادتهم لك ، واللّه يشهد بما أنزله إليك ، وأنت على يقين من ذلك بالوحي ، وقد أيد شهادته لك بعلمه الذي أودعه هذا القرآن فكان بذلك مثبتا لحقية نفسه وكونه أنزل عليك من ربك ، بأقوى من إثبات الدعاوى بالبينات والشهادات التي تحتمل النقض ، ويؤيدها كذلك يوما بعد يوم بتصديق ما أنزله في هذا القرآن من الوعد لك بالفلاح والنصر ، ووعيد من عادوك بالخذلان والخسر وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ أيضا بذلك لان الذي نزل به إليك هو الروح الأمين منهم ، وأنت تراه وتتلقى عنه لا ريب عندك في ذلك . واللّه يؤيدك بجند منهم ينفخون روح التثبيت والسكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ) وكل ذلك قد كان ، وثبتت به شهادة ملائكة اللّه عند نبيه وعند المؤمنين باخبار اللّه ، وبما ظهر لهم من صدقها في أنفسهم . وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً * فشهادته أصدق ، وقوله الحق ، ( قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ )