الشيخ محمد رشيد رضا
77
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * ( 165 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً ( 166 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً ( 167 ) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ، وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ( 168 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ ، وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * * * لقد تجلت في الآيات السابقة الحجة ، وتضاءل كل ما أورده اليهود على نبوة نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم من شبهة ، فثبتت هذه النبوة بشهادة اللّه تعالى بما أنزله عليه إذ لا يستطيع أحد من الخلق أن يأتي بمثله ، فحسن بعد هذا أن ينذر الذين يصرون على كفرهم ، ويستمرون على صدهم وظلمهم ، وإنما ينذرهم عز وجل سوء العاقبة ، ويبين لهم مصيرهم من الهاوية ، لذلك قال بعد ما تقدم : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي أعرضوا عن طريق الحق والخير الموصلة إلى رضوان اللّه تعالى ، وحملوا غيرهم على الاعراض عنها ، بسوء القدوة ، وتمويه الشبهة قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً بسيرهم في سبل الشيطان سيرا حثيثا ، بعدوا به عن سبيل اللّه بعدا شاسعا ، حتى لم يعودوا يبصرون ما اتصفت به من الوضوح والاستقامة ، ولا يفقهون انها هي الموصلة إلى خير العاقبة ومرسى السلامة ، * * * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا أنفسهم بكفرهم وقبح عملهم ، وظلموا غيرهم بإغوائهم إياهم بزخرف قولهم وسوء سيرتهم ، لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ أي ليس من شأنه ولا من مقتضى سنته في خلقه ، أن يغفر لهم ذلك الكفر والظلم يوم الحساب والجزاء ، لان الكفر والظلم يؤثر ان في النفس ويكيفانها بكيفية خاصة من الظلمة وفساد الفطرة لا يزولان بمقتضى سنته تعالى في النفوس البشرية وتأثير عقائدها وأعمالها فيها الا بما يضاد ذلك الكفر والظلم في الدنيا من الايمان الصحيح والعمل الصالح