الشيخ محمد رشيد رضا

73

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

آياتِ رَبِّكَ ) وفيه تهديد بعذاب الدنيا أو بالموت وقيام الساعة العامة أو الخاصة ، ويعقب ذلك عذاب الآخرة . وأما الآية التي نحن بصدد تفسيرها فهي مطلقة والمتبادر منها ان من حكمة إرسال الرسل قطع حجة الناس واعتذارهم بالجهل عندما يحاسبهم اللّه تعالى في الآخرة ويقضي بعذابهم ، ومفهومه ومفهوم سائر الآيات انه لولا إرسال الرسل لكان للناس ان يحتجوا في الآخرة على عذابها وعلى عذاب الدنيا الذي كان أصابهم بظلمهم . واستدل بها كثير من العلماء على امتناع مؤاخذة اللّه الناس وتعذيبهم على ترك الهداية التي لا تعرف الا من الرسل عليهم السّلام . ويستدلون بآية الاسراء على نجاة أهل الفترة ، وكل من لم تبلغه الدعوة . ولما كانوا شيعا تتعصب كل شيعة منهم لمذهب ينسب إلى عميد منهم قدسوه باشهاره والانتساب اليه صارت كل شيعة تلتمس من الآيات ما يؤيد مذهبها وتأوّل ما ينقضه . وعلى هذا الأساس أوّل بعضهم آية الاسراء بأن المراد بالرسول فيها العقل ، ويرد هذا التأويل سائر الآيات التي بمعناها كالآية التي نفسرها ، فلا يجد أبرع المأولين والمحرفين ، منفذا لمثل هذا القول في الرسل المبشرين المنذرين ، الذين ذكروا في سياق إثبات الوحي وقص اللّه على نبيه بعضهم وذكرهم بأسمائهم وبين أحوالهم ، وكذلك آية القصص « حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا » لا يقول عاقل ان الرسول هنا هو العقل ولكن قد يقوله الذي جنّ في مذهبه جنونا مطبقا ، وما المجانين في ذلك بقليل ، وكيف والتقليد مبني على عدم استعمال العقل في فهم الدين ، والاكتفاء فيه بما يعزى إلى المذهب بحجة ان المقلدين تعجز عقولهم عن ادراك الأدلة العقلية والنقلية وانما يفهمون كلام علمائهم دون كلام اللّه وكلام رسوله اختلف العلماء الذين اتبع الناس مذاهبهم في التكليف هل يتوقف كله على إرسال الرسل ، أم يمكن أن يعرف كله أو بعضه بالعقل ، فقالت طائفة لا يجب على أحد إيمان ولا عمل صالح ، ولا يحرم على أحد كفر ولا جرم ، ولا يستحق أحد ثوابا « تفسير القرآن » « 10 » « الجزء السادس »