الشيخ محمد رشيد رضا

74

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ولا عقابا على شيء ، الا من بلغته دعوة رسول قامت بها عليه الحجة فإنه يكلف العمل بما جاء به فحسب ، ولا يجازى الا على ذلك . وذهبت طائفة إلى أن التكليف بعد بعثة الرسل لا يتعدى ما جاؤوا به لمن بلغته ، وأما من لم تبلغه دعوة فإنه يمكن ان يدرك بعقله حسن الأشياء والاعمال وقبحها ويجب عليه ان يعمل الحسن ويترك القبيح ، واللّه تعالى يؤاخذه بحسب ما يدركه من ذلك بالعقل ، كما يؤاخذه بحسب ما يدركه من ذلك بالشرع والمتبادر من الآية التي نحن بصدد تفسيرها أن عدم إرسال الرسل يمكن ان يكون حجة للناس يوم القيامة إذا أراد اللّه ان يؤاخذهم ويعذبهم على ترك الهدى الذي جاءهم به أولئك الرسل . والمتبادر من آية سورة الإسراء انه ليس من شأن اللّه تعالى ولا من سنته ان يعذب الأمم التعذيب السماوي العام الذي عبر عنه بقوله ( 29 : 40 فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا . وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) الا إذا أرسل إليهم رسولا فكذبوه ، وسنته في هذا النوع من التعذيب مبينة في مواضع من الكتاب العزيز ، فهو لا يأخذ به كل قوم كذبوا رسولهم ، بل من أنذرهم العذاب فتماروا بالنذر ، وتمادوا في عناد الرسل ومن أخذ القرآن بجملته وفقه أحكامه وحكمه يعلم أن الدين وضع إلهي لا يستقل العقل البشري بالوصول اليه بنفسه بل يعرف بالوحي ، وأنه مع هذا موافق لسنن الفطرة في تزكية النفس ، واعدادها للحياة الأبدية في عالم القدس ، فهو من حيث هو وضع إلهي ، يترتب على العمل به والترك جزاء وضعي يحدده اللّه تعالى في الدنيا والآخرة ، وهذا الجزاء خاص بمن بلغته دعوته على وجهها . ومن حيث إنه موافق لسنن الفطرة يترتب على الاهتداء به تزكية النفس وعلى الاعراض عنه تدسيتها ، وتأثير العقائد الصحيحة والأعمال الصالحة والآداب العالية التي يهدي إليها تأثير فطري ذاتي ، فكل من اهتدى بها زكت نفسه بقدر اهتدائه بها وان لم يعلم أن رسولا جاء بها . وكذلك تأثير العقائد الباطلة والاعمال القبيحة والاخلاق الفاسدة التي ينهى عنها ، فكل من تلوثت بها نفسه فسدت وسفلت ، والأصل في هذا وذاك الاخلاص في إيثار ما يعتقد الانسان انه الحق والخير على ضده . فكما