الشيخ محمد رشيد رضا
71
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من حقائق العلم الإلهي والدين السماوي لم يكن يعلمها أهل الكتاب الذين يزعم مشاغبوهم ان القرآن مقتبس من كتبهم ، وكم فيه من هذه الحقائق ولكن طبع على قلوبهم فهم لا يعقلون . ولا نخوض في إحصاء الأنبياء والرسل فإنه لا يعلم الا بوحي من اللّه تعالى ولم يبين اللّه ذلك في كتابه ولا رسوله فيما صح من الخبر عنه وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً خاصا ممتازا عن غيره من ضروب الوحي العام لأولئك النبيين ، ولولا ذلك لم يختلف التعبير ، كما علمت من إيتاء داود الزبور ، وان صح ان يسمى الوحي إليهم تكليما ، والتكليم لهم وحيا ، كما يفهم من قوله تعالى ( 42 : 51 وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً ، أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ ) والظاهر أن تكليم موسى كان من النوع الثاني وهو التكليم من وراء حجاب . وقد سماه وحيا في قوله تعالى ( 20 : 10 وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى ) الخ . اما حقيقة ذلك الوحي والتكليم فليس لنا ان نخوض فيه لأننا لم نكن من أهله ، على اننا لا نعرف حقيقة كلام بعضنا مع بعض بواسطة الأصوات التي تجعل كل ذرة من الهواء متكيفة به ، وهي أعم الوسائط وأظهرها . وأما الحجاب فحكمته حصر القوة الروحية والاستعداد بالتوجه إلى شيء واحد تتحد فيه همومها وأهواؤها المتفرقة كما كان شأن موسى إذا رأى النار في الشجرة . وأما الرسول الذي يرسله اللّه فيوحي إلى النبي باذنه ما يشاء فهو ملك الوحي المعبر عنه بالروح الأمين واستدل بعضهم بتأكيد الفعل على كون تكليم اللّه لموسى لم يكن بواسطة الملك ، يعنون انه لو قال هنا كما قال في سورة البقرة ( 2 : 253 مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ) ولم يزد عليه كلمة ( تَكْلِيماً ) المؤكدة لجاز أن يكون التكليم مجازيا ، فان الفراء قال : ان العرب تسمي ما وصل إلى الانسان كلاما بأي طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر ، فإذا أكّد لم يكن الا حقيقة الكلام . وقال بعضهم إن هذا التأكيد لا يمنع أن يكون التكليم نفسه مجازيا لأنه يمنع المجاز في الفعل لا في الاسناد ، بل يجوز أن يسند الكلام المؤكد بمثله إلى المبلغ عن المتكلم كما يبلغ عن الملك حاجبه أو وزيره وعن المرأة المحجبة زوجها أو ولدها ، أقول ومنه اسناد الكلام إلى الترجمان