الشيخ محمد رشيد رضا
63
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ثم بين تعالى جزاءهم في الآخرة على هذه الذنوب بعد بيان بعض جزائها في الدنيا فقال وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً عذاب النار المؤلم اعتده اللّه اي هيأه للذين كفروا منهم بأي رسول من رسله ولا سيما عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسّلام ، وهم الذين بين اللّه حالهم في هذا السياق وغيره * * * لما أطلق القول في هذا السياق ببيان سوء حال اليهود وكفرهم وعصيانهم ، وكان ذلك يوهم ان ما ذكر عنهم عام مستغرق لجميع أفرادهم ، جاء الاستدراك عقبه في بيان حال خيارهم ، الذين لم يذهب عمى التقليد ببصيرتهم ، وهو لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ أي لكن أهل العلم الصحيح بالدين من اليهود ، الآخذون فيه بالدليل دون التقليد ، الراسخون أي الثابتون فيه ثبات الأطواد ، بحيث لا يشترون به ثمنا قليلا من المال والجاه وَالْمُؤْمِنُونَ من عامتهم أو من أمتك أيها الرسول ايمان إذعان يبعث على العمل ، لا ايمان دعوى وعصبية وجدل ، كما هو المعروف عن المقلدة في كل الملل ، كل منهم يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ أيها الرسول من البينات والهدى في القرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ على موسى وعيسى وغيرهما من الرسل عليهم السّلام ، لا يفرقون بين اللّه ورسله بالهوى والعصبية . روى عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة أنه قال في هذه الجملة : استثنى اللّه منهم فكان منهم من يؤمن باللّه وما أنزل عليهم وما أنزل على نبي اللّه يؤمنون به ويصدقون به ، ويعلمون انه الحق من ربهم . وروى ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنه قال في الآية : نزلت في عبد اللّه بن سلام وأسيد بن سعية وثعلبة بن سعية حين فارقوا يهود وأسلموا . وما جرينا عليه من جعل ما تقدم جملة تامة ظاهر يسيغه الفهم بغير غصة ، ولا يعترض الذهن فيه شبهة ولا كبوة ، واختار بعضهم ان جملة « يُؤْمِنُونَ » الخ حالية أو معترضة لا خبرية وان الخبر هو جملة « أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ » في آخر الآية . وقد راجعت تفسير الرازي بعد كتابة ما تقدم فإذا هو يجزم بأن « الرَّاسِخُونَ » مبتدأ خبره يؤمنون ، وإذا هو يفسر الراسخين بالمستدلين وعلل ذلك بأن المقلد يكون