الشيخ محمد رشيد رضا

64

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بحيث إذا شكك يشك ، وأما المستدل فإنه لا يتشكك البتة ، وأورد في قوله « وَالْمُؤْمِنُونَ » وجهين أحدهما أنهم المؤمنون منهم والثاني انهم المؤمنون من المهاجرين والأنصار ، وهذا أظهر والا لقال « لكن الراسخون في العلم والمؤمنون منهم » الخ والمعنى ان الراسخين في العلم منهم هم ومؤمنو المهاجرين والأنصار سواء في كونهم يؤمنون بما أنزل إلى محمد ( ص ) وما أنزل إلى من قبله من الرسل ( ص ) لا يفرقون بينهم وأما قوله تعالى وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ فهو جملة مستقلة ، و « الْمُقِيمِينَ » فيه منصوب على الاختصاص أو المدح على ما قاله النحاة البصريون سيبويه وغيره والتقدير أعني أو وأخص المقيمين الصلاة منهم الذين يؤدونها على وجه الكمال ، فإنهم أجدر المؤمنين بالرسوخ في الايمان . والنصب على المدح أو العناية لا يأتي في الكلام البليغ الا لنكتة ، والنكتة هنا ما ذكرنا آنفا من مزية الصلاة وكون اقامتها آية كمال الايمان . على أن تغيير الاعراب في كلمة بين أمثالها ينبه الذهن إلى التأمل فيها ، ويهدي الفكر إلى استخراج مزيتها ، وهو من أركان البلاغة ، ونظيره في النطق ان يغير المتكلم جرس صوته وكيفية آدائه للكلمة التي يريد تنبيه المخاطب لها ، كرفع الصوت أو خفضه أو مده بها . وقد عد مثل هذا بعض الجاهلين أو المتجاهلين من الغلط في أصح الكلام وابلغه . وقيل إن المقيمين معطوف على المجرور قبله . والمعنى يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك على الرسل ، وبالمقيمين الصلاة ، وهم الأنبياء أنفسهم فان اللّه تعالى قال في الأنبياء * * * ( وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ ) أي إقامتها ، أو الملائكة فإنه تعالى حكى عنهم قولهم « وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ » ووصفهم بقوله « يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ » والايمان بهم من أركان الايمان كالايمان بالرسل . وما ذكرناه أولا أبلغ عبارة ، وان عده الجاهل أو المتجاهل غلطا أو لحنا ، وروي أن الكلمة في مصحف عبد اللّه بن مسعود مرفوعة ( والمقيمون الصلاة ) فان صح ذلك عنه وعمن قرأها مرفوعة كمالك بن دينار والجحدري وعيسى الثقفي كانت قراءة والا فهي كالعدم . وروي عن عثمان أنه قال إن في كتابة المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتها ، وقد ضعف السخاوي هذه الرواية وفي سندها اضطراب