الشيخ محمد رشيد رضا

60

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أحلت لهم ولمن قبلهم ، فحرمناها عليهم عقوبة وتربية لهم ، لعلهم يرجعون عن ظلمهم ، فكيف لا يستحقون أكبر الخزي والنكال في الدنيا والآخرة بنقضهم ميثاق ربهم ، وقتلهم لأنبيائه ورسله ، وكفرهم بالمسيح وبهتهم لأمه ، وتبجحهم بدعوى قتله وصلبه ؟ فتعليل تحريم الطيبات عليهم بظلم مبهم منهم ، وبما ذكر بعده من المعاصي عطفا عليه زائدا عنه أو بيانا له - يدل على العقاب العظيم والخزي الكبير الذي يستحقونه على نقض الميثاق الأكبر وما عطف عليه من الكفر والموبقات ، وهو المتعلق المحذوف لقوله تعالى « فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ » الخ فهو قد حذف ذلك المتعلق ، ثم ذكر عقابهم في الدنيا على ما دون ذلك وهو تحريم بعض الطيبات عليهم ، فعلم منه ان ذلك المتعلق المحذوف يشمل كل ما أصابهم في الدنيا من الخزي والنكال وفقد الاستقلال ، وختم الآيات بذكر عذابهم في الآخرة . اما الطيبات التي حرمها اللّه عليهم فهي مبينة بقوله عز وجل في سورة الأنعام ( 6 : 147 وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ) الآية - هكذا ذهب بعض المفسرين . وتوقف بعضهم فلم يجزم بتعيين ما حرم عليهم ، ولم يعرّف ما نكره الكتاب . وفي الفصل الحادي عشر من سفر اللاويين ( الأحبار ) تفصيل ما حرم عليهم في التوراة من حيوانات البر والبحر وهي كثيرة جدا . وكانت قد أحلت لهم بقاعدة كون الأصل في الأشياء الحل وبإحلالها لسلفهم كما ورد في قوله تعالى ( 3 : 93 كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ ) فليراجع تفسير هذه الآية في أول جزء التفسير الرابع . وتقديم « فَبِظُلْمٍ » على « حَرَّمْنا » يفيد الحصر أي حرم عليهم ذلك بسبب الظلم لا بسبب آخر . وقد أبهم ما حرم عليهم هنا لان الغرض من السياق العبرة بكونه عقوبة لا بيانه في نفسه ، كما أبهم الظلم الذي كان سببا له ، ليعلم القارئ والسامع ان أي نوع من الظلم يكون سببا للعقاب في الدنيا قبل الآخرة ، هذا إذا لم يكن ما عطف عليه بيانا له . والعقاب قسمان : دنيوي وأخروي ، ولكل منهما اقسام سيأتي بسطها . ومن الدنيوي التكاليف الشرعية الشاقة في زمن التشريع ، والجزاء الوارد فيها على الجرائم من حد أو تعزير ، وما اقتضته سنن اللّه تعالى في نظام الاجتماع