الشيخ محمد رشيد رضا

61

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من كون الظلم سببا لضف الأمم وفساد عمرانها ، واستيلاء أمة أخرى على ملكها . واما قوله تعالى وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً فهو عطف على قوله « فَبِظُلْمٍ » وقد أشرنا آنفا إلى احتمال انه هو وما عطف عليه مبين له أي للظلم ، وهو حينئذ لا ينافي الحصر ، لان العطف على المعمول المتقدم على عامله ينافي الحصر إذا كان المعطوف مغايرا له ، واما إذا كان مبينا له فهو عينه . ويجوز ان يكون عطف مغايرة وان يكون تقديم ذكر الظلم للاهتمام ببيان قبح قليله وكثيره واقتضائه العقاب لا للحصر . وقيل إن بصدهم متعلق بمحذوف . أي وبسبب صدهم عن سبيل اللّه الخ شددنا عليهم في أحكام وتكاليف أخرى كالبقرة التي أمروا بذبحها في حادثة القتيل التي تقدمت في الجزء الأول . وعلى الأول يكون من البيان والتفصيل بعد الإبهام والاجمال ، وهو أوقع في النفس ، وأبلغ في العبرة والموعظة . والصدود والصد يستعمل لازما ومتعديا ومعناه المنع . أي صدودهم أنفسهم عن سبيل اللّه مرارا كثيرة بما كانوا يعصون موسى عليه السّلام ويعاندونه ، أو صدهم الناس عن سبيل اللّه بسوء القدوة أو بالأمر بالمنكر والنهي عن المعروف . وقال بعض المفسرين إن المراد صدهم الناس عن الايمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأوقعوا أنفسهم بهذا التفسير في الإشكال وحار بعضهم في الخروج منه ، ونسوا أنهم كانوا في غنى عن الدخول فيه ، حتى عد بعضهم الآية من أكبر المشكلات ، لان تحريم تلك الطيبات على بني إسرائيل كان قبل بعثة النبي ( ص ) فكيف يكون الصد عن الايمان به سببا لها والسبب يجب ان يكون قبل المسبب ؟ ويتفصى بعضهم من الاشكال بجعل هذا الصد متعلقا بفعل محذوف كما تقدم . وتساءل بعضهم : من حرم ذلك عليهم ومتى كان ؟ وبمثل هذه الافهام الضعيفة وتقليد بعضهم لبعض يولدون لنا شبها على القرآن وأصل الدين ، ينقلها الكافرون به عنهم ويطعنون بها في بلاغته وبيانه ، والصواب ما جرينا عليه أولا وان صدهم عن سبيل هو إعراضهم عن هداية دينهم غواية وإغواء . وذلك مفصل في كتبهم الدينية . * * * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ اي وبسبب اخذهم الربا وقد نهوا عنه على ألسنة انبيأئهم ولكن التوراة التي بين أيديهم انما تصرح بتحريم أخذهم الربا من