الشيخ محمد رشيد رضا
49
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مع أخ لها مات غريقا . وكنت أجزم أنا وكل من عرفها بأنها غير كاذبة ولا متصنعة بل كانت هائمة في ذلك ولا تبالي بشيء ولا يغرن العاقل انتشار أمثال هذه الإشاعات بين العامة ، وجعلها من القضايا المسلمة ، فان هذا معهود في الناس في كل عصر ، وقد بينه الفيلسوف العالم الاجتماعي غوستاف لوبون الفرنسي بيانا علميا في الفصل الثاني من كتابه ( روح الاجتماع ) ومما قاله في بيان قابلية الجماعات للتأثر والتصديق وانخداع الحواس والفكر ما يأتي ملخصا : « ان سرعة تصديق الجماعة ليس هو السبب الوحيد في اختراع الأقاصيص التي تنشر بين الناس بسرعة بل لذلك سبب آخر وهو التشويه الذي يعتور الحوادث في مخيلة المجتمعين إذ تكون الواقعة بسيطة للغاية فتنقلب صورتها في خيال الجماعة بلا ابطاء لان الجماعة تفكر بواسطة التخيلات ، وكل تخيل يجر إلى تخيلات ليس بينها وبينه أدنى علاقة معقولة . . . « ولقد كان يجب تعدد صور التشويش التي تدخلها الجماعة على حادثة شاهدتها وتنوع تلك الصور لان أمزجة الافراد الذين تتكون هي منهم مختلفة متباينة بالضرورة . لكن المشاهد غير ذلك ، والتشويش واجب عند الكل بعامل العدوي ، لان أول تشويش تخيله واحد من الجماعة يكون كالخميرة تنتشر منه العدوي إلى البقية . فقبل أن يرى جمع الصليبيين القديس جورج فوق أسوار بيت المقدس كان بالطبع قد تخيله أحدهم أولا فما لبث التأثر والعدوي ان مثلاه للبقية جسما مرئيا « هكذا وقعت جميع التخيلات الاجماعية الكثيرة التي رواها التاريخ وعليها كلها مسحة الحقيقة لمشاهدتها من الألوف المؤلفة من الناس « ولا ينبغي في ردّ ما تقدم الاحتجاج بمن كان بين تلك الجماعات من أهل العقل الراجح والذكاء الوافر لأنه لا تأثير لتلك الصفة في موضوعنا إذ العالم والجاهل سواء في عدم القدرة على النظر والتمييز ما داموا في الجماعة ، ورب معترض يقول : « تفسير النساء » « 7 السادس » « النساء ج 6 »