الشيخ محمد رشيد رضا

50

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ان تلك سفسطة لان الواقع غير ذلك الا أن بيانه يستلزم سرد عدد عظيم من الحوادث التاريخية ولا يكفي لهذا العمل عدة مجلدات غير اني لا أريد أن أترك القارئ امام قضايا لا دليل عليها ولذلك سآتي ببعض الحوادث أنقلها بلا انتقاء من بين الألوف من الحوادث التي يمكن سردها « وأبدأ برواية واقعة من أظهر الأدلة في موضوعها لأنها واقعة خيال اعتقدته جماعة ضمت إلى صفوفها من الافراد صفوفا وأنواعا ما بين جاهل غبي ، وعالم ألمعي ، رواها عرضا ربان السفينة ( جوليان فيليكس ) في كتابه الذي ألفه في مجاري مياه البحر وسبق نشرها في ( المجلة العلمية ) قال : « كانت المدرعة ( لابيل بول ) تبحث في البحر عن الباخرة ( بيرسو ) حيث كانت قد انقطعت عنها بعاصفة شديدة وكان النهار طالعا والشمس صافية وبينما هي سائرة إذا بالرائد يشير إلى زورق ياوره الغرق فشخص رجال السفينة إلى الجهة التي أشير إليها ورأوا جميعا من عساكر وضباط زورقا مشحونا بالقوم تجره سفن تخفق عليها أعلام اليأس والشدة . وكل ذلك كان خيالا فقد أنفذ الربان زورقا صار ينهب البحر انجادا للبائسين . فلما اقترب منهم رأى من فيه من العساكر والضباط اكداسا من الناس يموجون ويمدون أيديهم ، وسمعوا ضجيجا مبهما يخرج من أفواه عديدة ، حتى إذا بلغوا المرئي وجدوه أغصان أشجار مغطاة بأوراق قطعت من الشاطئ القريب ، وإذ تجلت الحقيقة غاب الخيال « هذا المثال يوضح لنا عمل الخيال الذي يتولد في الجماعة بحال لا تحتمل الشك ولا الابهام - كما قررناه من قبل - فهنا جماعة في حالة الانتظار والاستعداد ، وهناك رائد يشير إلى وجود مركب حفه الخطر وسط الماء ، فذلك مؤثر سرت عدواه فتلقاه كل من في الباخرة من عساكر وضباط بالقبول ولا ذعان » ثم بين المؤلف ان مثل هذا الانخداع يقع للجماعات المؤلفة من العلماء فيما هو بعيد عن اختصاصهم العلمي . واستشهد على ذلك بالواقعة الآتية : ( قال ) « ومن الأمثلة على ذلك ما رواه لنا ( موسيو دافي ) أحد علماء النفس المحققين وقد نشرته حديثا مجلة ( أعصر العلوم النفسية ) وهو : دعا ( موسيو دافي )