الشيخ محمد رشيد رضا
48
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يصدق بعضا بل يتهم بعضهم بعضا بالكذب والهذيان ، وأنهم لضعفهم تركوا نبيهم وقت الشدة وأنكره أمثلهم وارتشى عليه بعضهم ؟ فأمثال هؤلاء الصيادين والنساء لا يستغرب منهم عدم التمييز بين الحقيقة والخيال ، وطالما وقع مثل ذلك في حال الانفعالات العصبية للناس ، كالحزن والخوف والعشق ، يتراءى للانسان في مثل هذه الأحوال شخص يكلمه زمنا طويلا أو قصيرا كما يحصل في الرؤى والأحلام . وبعضهم يعد هذا من رؤية الأرواح ، وقد راجت سوق هذه المسألة في أوربة في هذا العصر ، حتى صاروا يزعمون أن فيهم من يستحضر الروح ، وكان هذا معروفا في الزمن السابق ، ولذلك احترس عنه بعض مؤلفي هذه الأناجيل فقال إنه لما ظهر لهم خافوا وظنوا أنهم يرون روحا فنفى هو ذلك وقد كنا بينا هذه المسألة في كتابنا ( الحكمة الشرعية في محاكمة القادرية والرفاعية ) الذي ألفناه في زمن التحصيل . ومما قلناه فيه ان الصوفية يفرقون بين رؤية الأرواح والرؤية الخيالية . ومما أوردناه عن صاحب كتاب الذهب الابريز من القسم الثاني واقعة جرت في بلدهم ( فاس ) قال : أخبرني بعض الجزارين انه مات له ولد كان يحبه كثيرا وانه لم يزل شخصه في فكره حتى أن عقله وجوارحه كانت كلها معه ، فكان هذا دأبه ليلا ونهارا إلى أن خرج ذات يوم إلى باب الفتوح أحد أبواب فاس حرسها اللّه تعالى لشراء الغنم على عادة الجزارين فجال فكره في أمر ولده الميت فبينما هو يجول فكره فيه إذ رآه عيانا وهو قادم اليه حتى وقف إلى جنبه . قال فكلمته وقلت له : يا ولدي خذ هذه الشاة - لشاة اشتريتها - حتى أشتري أخرى ، وقد حصلت غيبة قليلة عن حسي . فلما سمعني من كان قريبا أتكلم مع الولد قالوا : مع من تتكلم أنت ؟ فلما كلموني رجعت إلى حسي وغاب الولد عن بصري ، فلا يدري ما حصل في باطني من الوجد عليه الا اللّه تبارك وتعالى اه وما كل من يقع له مثل هذا يعلم أن هذه رؤية خيالية كالرؤيا المنامية . وإنني اعرف امرأة كبيرة السن من أهل بلدنا ( القلمون ) كانت دائما ترى الموتى وتخاطبهم وتأنس بخطابهم تارة ويظهر عليها الانقباض أخرى . وكان أكثر حديثهم