الشيخ محمد رشيد رضا

3

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يقال فيه ، كذكر عيوبه ومساويه ، واللّه تعالى لا يحب من عباده ان يجهروا فيما بينهم بذكر العيوب والسيئات لان في هذا الجهر مفسدتين كبيرتين ( إحداهما ) انه مجلبة للعداوة والبغضاء بين من يجهرون بالسوء ومن ينسب إليهم هذا السوء ، وقد تفضي العداوة إلى هضم الحقوق وسفك الدماء ( الثانية ) ان الجهر بالسوء بذكره على مسامع الناس يؤثر في نفوس السامعين تأثيرا ضارا فان الناس يقتدي بعضهم ببعض فمن سمع انسانا يذكر آخر بالسوء لكرهه إياه أو استيائه منه يقلده في ذلك القول إذا كان لم يسبق له مثله ، ويزداد ضراوة فيه إذا كان قد سبق وقوعه منه ، أو يقلد فاعل السوء في عمله ، خصوصا إذا كان السامع من الاحداث الذين يغلب عليهم التقليد أو من طبقة دون طبقته في الهيئة الاجتماعية ، لان عامة الناس يقلدون خواصهم ، فإذا ظهرت المنكرات في الخواص لا تلبث ان تفشو في العوام . ومن تميل نفسه إلى منكر أو فاحشة يتجرأ على ارتكابه إذا علم أن له سلفا وقدوة فيه ، وربما لا يتجرأ عليه إذا لم يعلم بذلك . بل يؤثر سماع القول السوء في نفوس خواص الكهول الأخيار ، وليس تأثيره مقصورا على العوام والصغار ، فسماع السوء كعمل السوء ، ذاك يؤثر في نفس السامع ، وهذا يؤثر في نفس الناظر ، وأقل تأثيره أنه يضعف في النفس استبشاعه واستغرابه ولا سيما إذا تكرر سماع خبره أو النظر اليه ، واننا نرى علماء التربية يجعلون جميع كتب التعليم غفلا من قول السوء والكلم الخبيث ومن الرفث وأسماء أعضاء التناسل حتى أنهم لا يذكرونها في معاجم اللغة التي يراجع فيها طلاب العلوم والفنون حرصا على أنفسهم ان تعلق بها كلمة خبيثة من كلم السوء تقودها إلى عمل السوء . ورب كلمة خبيثة تفتح لمن تعلق بنفسه بابا من الفساد ، لا ينجو من شره أبد الآباد ، وفي الحديث « ان الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار » رواه الترمذي بهذا اللفظ وروى في الصحيحين وغيرهما أيضا يجهل كثير من الناس ، مبلغ تأثير الكلام في قلوب الناس ، فلا ينزهون ألسنتهم عن السوء من القول ولا اسماعهم عن الاصغاء اليه ، وما يعقل كنه ذلك الا العالمون الراسخون وان للأستاذ الامام رحمه اللّه تعالى كلمة شعرية في المبالغة