الشيخ محمد رشيد رضا
4
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
في تمثيله للفهم وتقريبه إلى الذهن يعدها البديعي من الاغراق الذي تقتضيه البلاغة في هذا المقام وهي : انني إذا ألقيت كلمة في مكان خال من الناس في حندس الليل فإنها تبقى معلقة في الهواء حتى تصادف نفسا مستعدة فتؤثر فيها . - أو ما هذا معناه - وقد اتفق لأهل بيت من فضلاء الامريكانيين أن اهتدوا إلى الاسلام في مصر وصاروا يترددون على الأستاذ الامام لاخذ أحكام الدين وحكمه عنه . وانه ليحدثهم يوما وإذا بلسانه وقد فلتت منه كلمة « اليأس » وكان في أهل ذلك البيت فتاة ذكية الفؤاد فقالت للأستاذ كيف ينطق مثلك في علمه وحكمته بهذه الكلمة وهي من الكلمات ذات المدلولات الضارة ؟ فأعجب الأستاذ بذكائها وفهمها ، ووافقها على قولها ، وأظن انه اعتذر عن ذلك بأن أمثال هذه الكلمة مما لا يمكن اجتنابه عند بيان بعض الحقائق بين العلماء الذين كملت تربيتهم ، وانما يتحرى اجتناب ذكرها بقدر الامكان في خطاب النشء في المدارس والبيوت . وتكلم في تأثير الكلام في كل سامع وذكر كلمته التي نقلنا آنفا ، فقالت له الفتاة : أتأذن لي أن أفسر هذه الكلمة الجليلة ؟ قال نعم ، قالت إن العلم بالشيء يكون في نفس الانسان اجماليا فإذا تكلم به ولو في المكان الحلو ( أو كتبه ) ينتقل من حيز الاجمال إلى حيز التفصيل والبيان ، ويلزم من ذلك إعادة ذكره على مسامع الناس فيؤثر فيهم على حسب استعدادهم . فقال الأستاذ : أحسنت . لا يحب اللّه الجهر بالسوء من القول ولا الاسرار به كما يعلم من نهيه تعالى عن النجوى بالاثم والعدوان ومعصية الرسول ، وأمره بالتناجي بالبر والتقوى فقط ، وانما خص الجهر هنا بالذكر لمناسبة بيان مفاسد الكفار والمنافقين في هذا السياق كما علمت . والجهر بالسوء أشد ضررا من الاسرار به لان ضرره وفساده يفشو في جمهور الناس حتى لا يكاد يسلم منه أحد . وقد قلت يوما للعالم اللغوي الراوية الشهير الشيخ محمد محمود بن التلاميذ الشنقيطي : انني أنكرت نفسي في مصر فان كثرة رؤيتي للمنكرات فيها ككشف العورات في الحمامات ، وشرب الخمر على افاريز الطرقات ، وكثرة سماعي لقول السوء خفف استبشاع ذلك في نفسي وضعف كره أصحابه والنفور منهم فإنني كنت في بلدي ( القلمون المجاورة لطرابلس الشام ) إذا سمعت بأن