الشيخ محمد رشيد رضا

47

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وبعد الكلام معهما عن سبب بكائها التفتت إلى الوراء فنظرت يسوع واقفا فلم تعرفه وظنت انه البستاني . ثم تعرف إليها وأمرها أن تخبر التلاميذ بقوله « اني صاعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم » فأخبرتهم ثم ذكر ان التلاميذ كانوا مجتمعين عشية ذلك اليوم والأبواب مغلقة خوفا من اليهود فجاء يسوع ووقف في الوسط وسلم عليهم . وان توما لم يكن معهم فظهر له بعد ثمانية أيام . ثم ذكر في الفصل 21 أنه أظهر نفسه للتلاميذ على بحر طبرية فلم يعرفوه أولا ثم اصطادوا سمكا بأمره وحضر غداءهم . هذا ملخص دعوى قيام يسوع من القبر برواية الأناجيل الأربعة ويرى المتأمل فيها انها متعارضه متناقضة . ومن الغريب انه لم يصرح أحد منهم بأنه ظهر لهم في الجليل كما نقلوا عنه وعن الملك أو الملكين . والقاعدة الأصولية في المتعارضين إذا لم يمكن الجمع بينهما ولا ترجيح أحدهما على الآخر أن يقال « تعادلا فتساقطا » وبهذه القاعدة التي لا مندوحة عن القول بها في هذه القصة وغيرها من التعارض في هذه الأناجيل اتقاء الوقوع في الترجيج بغير مرجح نقول إن روايات الأربعة ساقطة لا يعتد بشيء منها . فهذا هو بيان الوجه الأول من وجهي الجواب . واما الوجه الثاني المبني على احتمال ان يكون لهذه الدعوى سبب أو أصل بني عليه فبيانه أنه يحتمل ان يكون قد شاع في ذلك الوقت ان يسوع قد قام من قبره وانه رآه بعض النساء وبعض تلاميذه واضطربت الأقوال في ذلك فكتب كل مؤلف إنجيل ما سمعه . وأن يكون سبب الإشاعات تخيل مريم المجدلانية العصبية المزاج ( التي روت هذه الأناجيل ان المسيح اخرج منها سبعة شياطين ) أنها رأت المسيح وكلمته . ويجوز أن تكون الرؤية الخيالية اتفقت لغيرها أيضا من التلاميذ أو غيرهم بعد أن سمعوها منها ومثل هذا يقع كثيرا كما سيأتي بيانه بالشواهد وأمثال هؤلاء العامة لا يقدرون على التمييز بين الحقيقة والخيال . ألم تر انهم يروون ان المسيح وبخهم على غباوتهم وضعف إيمانهم بعد ان كانوا عاشروه زمنا رأوا فيه ما أيده اللّه تعالى به من الآيات ، أو لم تر أنهم ما كان بعضهم