الشيخ محمد رشيد رضا
486
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي وان لم ينتهوا عن قولهم بالتثليث ويتركوه ، ويعتصموا بعروة التوحيد الوثني ويعتقدوه ، فو اللّه ليصيبنهم بكفرهم عذاب شديد الألم في الآخرة . فوضع « الَّذِينَ كَفَرُوا » موضع الضمير ليثبت أن ذلك القول كفر باللّه ، وان الكفر سبب العذاب الذي توعدهم به ، ويبين ان هذا العذاب لا يمس الا الذين كفروا منهم خاصة بالتثليث أو غيره ، دون من تاب وأناب إلى اللّه تعالى ، إذ ليس عذاب الآخرة كعذاب الأمم في الدنيا يشترك فيه المذنبون وغيرهم . وقيل إن « من » بيانية * * * أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ - وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ؟ الاستفهام هنا للتعجيب من شأن هؤلاء الناس في تثليثهم واصرارهم عليه ، بعد ما جاءتهم البينات المبطلة له ؛ والنذر بالعذاب المرتب عليه . والهمزة داخلة على فعل محذوف عطف عليه فعل التوبة المنفي . والتقدير : أيسمعون ما ذكر من التفنيد والوعيد ، فلا يحملهم على التوبة والرجوع إلى التوحيد ، واستغفار اللّه تعالى مما فرط منهم ، والحال ان اللّه تعالى عظيم المغفرة واسع الرحمة ، يقبل التوبة من عباده ويغفر لهم ما سلف ، إذا هم آمنوا وأحسنوا فيما بقي ؟ ان هذا لشيء عجاب . أو : أيصرون على ما ذكر بعد إقامة الحجة ، ودحض الشبهة ، فلا يتوبون ؟ الخ * * * مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ، وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ قد يقول قائلهم إذا سمع ما تقدم : إذا كان التثليث أمرا باطلا لا حقية له ، وكان الإله الحق واحدا لا تعدد فيه ولا تركيب من أصول ولا أقانيم ، ولا يشبه الأجسام بذات ولا صفة - فما بال المسيح وما شأنه ؟ هل يعد فردا من أفراد المخلوقات ، لا يمتاز عليها بالذات ولا بالصفات ؟ وهل تعد أمه كسائر النساء ؟ أجاب اللّه تعالى عن هذه الأسئلة التي يوردها من أكبروا المسيح أن يكون بشرا ، فبدأ بذكر خصوصيته التي امتاز بها على أكثر الناس ، ثم ثنى ببيان حقيقته التي يشارك بها كل فرد من أفرادهم ، أما الخصوصية فهو انه ليس الا رسولا من رسل اللّه تعالى الذين بعثهم لهداية عباده ، قد خلت ومضت من قبله الرسل الذين اختصهم اللّه مثله تعالى بالرسالة وأيدهم بالآيات . فبهذه الخصوصية امتاز هو واخوته الرسل