الشيخ محمد رشيد رضا

487

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

على جماهير الناس ، وأما أمه فهي صديقة من فضليات النساء ، فمرتبتها في الفضل والكمال تلي مرتبة الأنبياء ، « 1 » وأما حقيقتهما الشخصية والنوعية فهي مساوية لحقيقة غيرهما من أفراد نوعهما وجنسهما . بدليل أنهما كانا يأكلان الطعام ، وكل من يأكل الطعام فهو مفتقر إلى ما يقيم بنيته ويمدّ حياته ، لئلا ينحل بدنه وتضعف قواه فيهلك - دع ما يستلزمه أكل الطعام ، من الحاجة إلى دفع الفضلات ، - وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن مساو لسائر الممكنات المخلوقة في حاجتها إلى غيرها ، فلا يمكن أن يكون ربا خالقا ، ولا ينبغي أن يكون ربا معبودا . وان من سفه الانسان لنفسه ، واحتقاره لجنسه ، أن يرفع بعض المخلوقات المساوية له في ماهيته ومشخصاته بمزية عرضية لها ، فيجعل نفسه لها عبدا ، ويسمي ما يفتتن بخصوصيته منها إلها أوروبا . انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ! ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ أي انظر أيها الرسول أو أيها السامع نظر عقل وفكر . كيف نبين لهؤلاء النصاري الآيات والبراهين على بطلان دعواهم في المسيح ، ثم انظر بعد ذلك كيف يصرفون عن استبانة الحق بها ، والانتقال من مقدماتها إلى نتائجها ؟ كأن عقولهم قد فقدت بالتقليد وظيفتها ؟ * * * ( 79 ) قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 80 ) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ( 81 ) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ . ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ( 82 ) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ، لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 83 ) تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا .

--> ( 1 ) راجع تحقيق الكلام في الصديقين في تفسير سورة النساء ( ص 244 ج 5 تفسير )