الشيخ محمد رشيد رضا
483
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
اللّه الذي يعبده هو . ولا يزال أمره هذا محفوظا عندهم فيما حفظوا من إنجيله ، في هذه الكتب التي كتبت لبيان بعض سيرته وتاريخه ، وهي التي يسمونها الأناجيل . ففي إنجيل يوحنا منها عنه عليه السّلام ما نصه : « 17 : 3 وهذه هي الحياة الأبدية - أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته » فدين المسيح مبني على التوحيد المحض وهو دين اللّه الذي أرسل به جميع رسله . وسنعود إلى بيان ذلك في تفسير قوله تعالى في آخر هذه السورة حكاية عنه عليه السّلام ( ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ) إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ ، وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ أمرهم عليه السّلام بالتوحيد الخالص . وقفى عليه بالتحذير من الشرك والوعيد عليه ، ببيان أن الحال والشأن الثابت عند اللّه تعالى هو أن كل من يشرك باللّه شيئا ما من ملك أو بشر ، أو كوكب أو حجر ، أو غير ذلك ، بأن يجعله ندا له ، أو متحدا به ، أو يدعوه لجلب نفع أو دفع ضر ، أو يزعم أنه يقربه إلى اللّه زلفى ، فيتخذه شفيعا زاعما أنه يؤثر في إرادة اللّه تعالى أو علمه ، فيحمله على شيء غير ما سبق به علمه وخصصته ارادته في الأزل ، - من يشرك هذا الشرك ونحوه فان اللّه يحرم عليه الجنة في الآخرة ، بل هو قد حرمها عليه في سابق علمه ، وبمقتضى دينه الذي أوحاه إلى جميع رسله ، فلا يكون له مأوى ولا ملجأ يأوي اليه الا النار ، دار العذاب والهوان ، وما لهؤلاء الظالمين لأنفسهم بالشرك من نصير ينصرهم ، ولا شفيع ينقذهم ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ - وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) فالنافع رضاه ( وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ ) وشر أنواعه الشرك . ونكتة جمع الأنصار مع كون النكرة المفردة تفيد العموم في سياق النفي . هي التنبيه على كون النصارى كانوا يتكلون على كثير من الرسل والقديسين إذ كانت وثنية الشفاعة قد فشت فيهم ، وان لم تكن من أصل دينهم * * * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ أكد تعالى بالقسم أيضا كفر الذين قالوا إن اللّه الذي هو خالق السماوات والأرض وما بينهما ثالث أقانيم ثلاثة ، وهي الآب والابن وروح القدس ، قال ابن جرير : وهذا قول كان عليه جماهير النصارى