الشيخ محمد رشيد رضا

484

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

قبل افتراق اليعقوبية والملكانية والنسطورية . كانوا فيما بلغنا يقولون : الإله القديم جوهر واحد يعم ثلاثة أقانيم - أبا والدا غير مولود ، وابنا مولودا غير والد ، وزوجا متتبعة بينهما . اه فكان هو وكثير من المفسرين والمؤرخين المتقدمين يرون - بحسب معرفتهم بحال نصارى زمنهم وما يروون عمن قبلهم - أن الذين يقولون من النصارى ان إلههم ثالث ثلاثة ؛ هم غير الفرقة التي تقول منهم : ان اللّه هو المسيح ابن مريم . وأن ثم فرقة ثالثة تقول : ان المسيح هو ابن اللّه وليس هو اللّه ، ولا ثالث ثلاثة . وأما النصارى المتأخرون فالذي نعرفه منهم وعنهم انهم يقولون بالثلاثة الأقانيم ، وبأن كل واحد منها عين الآخر . فالآب عين الابن وعين روح القدس ، ولما كان المسيح هو الابن كان عين الآب وروح القدس أيضا . ومن العجيب ان بعض متأخري المفسرين ينقلون أقوال من قبلهم في أمثال هذه المسائل ويقرونها ، ولا يبحثون عن حال أهل زمنهم ، ولا يشرحون حقيقة عقيدتهم . وقد سبق لنا بيان عقيدة التثليث ، وكون النصارى أخذوها عن قدماء الوثنيين ، فارجع إلى تفسير ( وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ ) في أواخر سورة النساء ( ص 86 - 95 ج 6 تفسير ) وبينا قبيلها عقيدة الصلب والفداء ( ص 23 - 55 ج 6 تفسير ) ثم بينا عقيدة التثليث في تفسير الآية ال 19 من هذه السورة ( ص 307 ج 6 تفسير ) قال تعالى ردا عليهم وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ أي قالوا قولهم هذا بلا روية ولا بصيرة ، والحال انه ليس في الوجود ثلاثة آلهة ولا اثنان ولا أكثر من ذلك - لا يوجد آله منّا الا اله متصف بالوحدانية . وهو اللّه الذي لا تركيب في ذاته ولا تعدد . وهذه العبارة أشد تأكيدا لنفي تعدد الإله من عبارة : لا إله الا إله واحد . لان « من » بعد « ما » تفيد استغراق النفي وشموله لكل نوع من أنواع المتعدد وكل فرد من أفراده ؛ فليس ثم تعدد ذوات وأعيان ، ولا تعدد أجناس أو أنواع ، ولا تعدد جزئيات أو أجزاء . والنصارى قد اقتبسوا عقيدة التثليث عمن قبلهم ولم يفهموها ، وعقلاؤهم يتمنون لو يقدرون على التفصي منها ، ولكنهم إذا أنكروها بعد هذه الشهرة تبطل ثقة العامة بالنصرانية كلها . كما قال أحد عقلاء القسوس لبعض أهل العلم العصري من الشبان السوريين