الشيخ محمد رشيد رضا

477

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

منها على ظواهرها ؛ ولا هم آمنوا باللّه واليوم الآخر ، على الوجه الذي كان عليه سلفهم الصالح ، ولا هم عملوا الصالحات كما كانوا يعملون ؛ اللهم الا قليلا منهم كان مخبوءا في طيات الزمان ، أو شعاف الجبال وزوايا البلدان ، كانوا يعذبون على توحيد اللّه ، ويرمون بالزندقة أو الهرطقة لرفضهم تقاليد الكنائس . وقد تقدم مثل هذه الآية في سورة البقرة فيراجع تفسيرها المفصل ، في جزء التفسير الأول ، وفي هذه الآية بحث لفظي ليس في تلك ؛ وهو رفع كلمة الصابئين وتقديمها على كلمة النصارى ، فأما الرفع ففي اعرابه وجوه أشهرها انه مبتدأ خبره محذوف والتقدير « والصابئون كذلك » أو معطوف على محل اسم ان ؛ وقد أجاز كوفيو النحويين هذا وعدوه من الفصيح إذا كان اسم ان مبنيا كما هو هنا ، وكقولك : انك وزيد صديقان . والبصريون يمنعونه ، ومن هذا القبيل قول الشاعر : وإلا فاعلموا أنا وأنتم * بغاة ما بقينا في شقاق والإعراب صناعة يستعان بها على ضبط كلام العرب وفهمه ، والعمدة في اثبات اللغات كلها السماع من أهلها . وقد ثبت بالسماع ان هذا الاستعمال فصيح ولكن ما نكتته ؟ النكتة التي كان بها رفع الصابئين فصيحا ههنا على مخالفته نسق عطف المنصوب على المنصوب ، هي تنبيه الذهن إلى أن الصابئين كانوا أهل كتاب وان كان حكمهم كحكم المسلمين واليهود والنصارى في تعليق نفي الخوف والحزن عنهم يوم القيامة بشرط الايمان الصحيح والعمل الصالح ، اللذين تتزكى بهما النفوس ، وتستعد لارث الفردوس . ولما كان هذا غير معروف عند المخاطبين بهذه الآية ، وكان الصابئون غير مظنة لاشراكهم في الحكم مع أهل الكتب السماوية ، حسن في شرع البلاغة ان ينبه إلى ذلك بتغيير نسق الاعراب . فمثل هذا التغيير ، لا يعد فصيحا الا في مثل هذا التعبير . وهو ما كان لما تغير اعرابه وأخرج عما يماثله ، صفة خاصة تريد التنبيه عليها ، فإذا قلت « ان زيدا وعمرا - وكذا بكر - أو بكر كذلك - قادرون على مناظرة خالد » لم يكن هذا القول بليغا الا إذا كان بكر في مظنة العجز عن مناظرة خالد ؛ وأردت أن تنبه على خطأ هذا الظن ، وعلى كون بكر ، يقدر على ما يقدر عليه من ذلك زيد وعمرو .