الشيخ محمد رشيد رضا
478
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وههنا قاعدة عامة في البلاغة ، تدخل في بلاغة النطق والكتابة . وهي أن ما يراد تنبيه السمع أو اللحظ اليه من المفردات أو الجمل يميز على غيره ، إما بتغيير نسق الاعراب في مثل الكلام العربي مطلقا ، وإما برفع الصوت في الخطابة ، واما بكبر الحروف أو تغيير لون الحبر أو وضع الخطوط عليه في الكتابة . والمسلمون يكتبون القرآن في التفسير والمتون المشروحة بحبر أحمر . وفي الطبع يضعون الخطوط فوق الكلام الذي يميزونه كآيات القرآن في بعض كتب التفسير ، ثم صار الكثيرون منهم يقلدون الإفرنج في وضع هذه الخطوط تحت الكلام الذي يريدون التنبيه عليه بتمييزه . وقد تجرأ بعض أعداء الاسلام ، على دعوى وجود الغلط النحوي في القرآن ! وعدّ رفع الصابئين هنا من هذا الغلط ! ! وهذا جمع بين السخف والجهل . وانما جاءت هذه الجرأة من الظاهر المتبادر من قواعد النحو مع جهل أو تجاهل أن النحو استنبط من اللغة ولم تستنبط اللغة منه ، وان قواعده إذا قصرت عن الإحاطة ببعض ما ثبت عن العرب فإنما ذلك لقصور فيها ، وان كل ما ثبت نقله عن العرب فهو عربي صحيح ، ولا ينسب إلى العرب الغلط في الالفاظ ولكن قد يغلطون في المعاني . ولم توجد لغة من لغات البشر دفعة واحدة ، وانما تترقى اللغات وتتسع بالتدريج ، ولم يكن التجديد في مفرداتها ومركباتها ، والتصرف في أساليبها ومشتقاتها ، بالتشاور والتواطؤ بين جميع أفراد الأمة ولا بين الجماعات منها ، - إلا ما يحصل في بعض المجامع العلمية والأدبية عند بعض الإفرنج في هذا العصر - وانما كان التصرف والتجديد من عمل الافراد ، ولا سيما من يشتهرون بالفصاحة كالخطباء والشعراء . فلو لم يكن ذلك المعترض ضعيف العقل أو قوي التعصب علي الاسلام . لنهاه عن هذا الاعتراض رواية هذا اللفظ عن النبي عليه الصلاة والسّلام . وان لم يؤمن بأنه منزل عليه من اللّه عز وجل . فكيف وقد تلقته العرب بالقبول والاستحسان ، فكان اجماعا عليه أقوى من اقرار الأندية الأدبية ( الا كادميات ) الآن ؟ بل يجب أن ينهاه مثل ذلك نقله عن أي بدوي من صعاليك العرب ولو برواية الآحاد . وليت شعري هل يعد ذلك المتعصب الأعمى مبتكرات مثل شكسبير في الانكليزية وفيكتور هيغو بالفرنسية من اللحن والغلط فيهما ؟ ؟