الشيخ محمد رشيد رضا

461

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وتواريخ غيرهم . ومن دقة القرآن وعدله ، تمحيص الحقيقة في ذلك بقوله : مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ أي منهم جماعة معتدلة في أمر الدين ، لا تغلو بالافراط ولا تهمل بالتقصير . قيل هم العدول في دينهم ، وقيل هم الذين أسلموا منهم . والمعتدلون لا تخلو منهم أمة ، ولكنهم يكثرون في طور صلاح الأمة وارتقائها ، ويقلون في طور فسادها وانحطاطها . - وهل تهلك الأمم الا بكثرة الذين يعملون السوء من الأشرار ، وقلة الذين يعملون الصالحات من الأخيار ؟ - وهؤلاء المعتدلون في الأمم هم الذين يسبقون إلى كل صلاح واصلاح يقوم به المجددون من الأنبياء في عصورهم ، ومن الحكماء في عصورهم ، ولما جاء الاصلاح الاسلامي على لسان خاتم النبيين والمرسلين ( ص ) قبله المقتصدون من أهل الكتاب ومن غيرهم ؛ فكانوا مع اخوانهم العرب من المجددين للتوحيد والفضائل والآداب ، والمحيين للعلوم والفنون والعمران ، فهل يعتبر المسلمون بذلك الآن ، ويعودون إلى إقامة القرآن ، وأخذ الحكمة من حيث يجدونها ، وعدد الاصلاح والسيادة من حيث يرونها ، أم يفتؤن يسلكون سنن من قبلهم في طور الفساد والإفساد ، شبرا بشبر وذراعا بذراع ، ومنه الغرور بدينهم مع عدم إقامة كتابه ، والتبجح بفضائل نبيهم على تركهم لسنته وآدابه ؟ روى ابن أبي حاتم عن جبير بن نفير أن رسول اللّه ( ص ) قال « يوشك أن يرفع العلم » قلت : كيف وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا ؟ فقال « ثكلتك أمك يا ابن نفير ، إن كنت لأراك من أنقه أهل المدينة ، أو ليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى ؟ فما أغنى عنهم حين تركوا أمر اللّه » ؟ ثم قرأ ( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ) الآية . وأخرج أحمد وابن ماجة من طريق ابن أبي الجعد عن زياد ابن لبيد قال : ذكر النبي ( ص ) شيئا فقال « وذلك عند ذهاب العلم » « 1 » قلنا يا رسول اللّه : وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة ؟ قال « ثكلتك أمك يا ابن أم لبيد ، ان

--> ( 1 ) في نسخة الدر المنثور المطبوعة كلمة « أبنائنا » مكان كلمة « العلم » وهو غلط ظاهر وهذه الطبعة كثيرة الغلط